السبت، 31 أكتوبر 2026 19 جمادى الأولى 1448 هـ | 22 بابة 1743 ش | السنة المصرية 6267
القاهرة، 20°م دولار 56.03 | يورو 62.56
عاجل
إحدى أنشطة المجلس الوطني للتنمية والتدريب
أخبار · رأي · تحليل
"الرجل الذي يزيح جبلا يبدأ بحمل الحجارة الصغيرة."
— كونفوشيوس
رئيس مجلس الإدارة
رفيق سامي
المدير التنفيذي للموقع
وجيه نزيه
رأي ومواقف

التعليم فى مصر.. إلى أين؟

رفيق سامي · أكتوبر 28, 2026
صورة تعبيرية لطفل يحمل حقيبة مدرسية ثقيلة

بقلم: رفيق سامى

الساعة سبعة الصبح. قف دقيقتين على باب أى مدرسة ابتدائية وراقب. طفل فى الثامنة، ظهره محنى تحت شنطة أكبر منه، وفى حضنه كيس بلاستيك فيه كتاب خارجى وكراسة «سلاسل». يمشى ببطء رجل خارج من وردية ليل.

كل أب وأم فى مصر يعرفون هذا المشهد. نعرفه لدرجة أننا لم نعد نراه.

وأنا أعتقد أن هذه الشنطة هى أصدق وثيقة عن حال التعليم عندنا. نظام كامل استقر منذ زمن على أن العلم يوزن بالكيلو، وأن الشاطر هو من يكتب فى ورقة الإجابة ما كتبه المؤلف بالنص. لم أكتب هذا المقال لأحاسب أحدا. كتبته لأن عقول أولادنا أثمن ما نملك، ولأن الوقت لم يعد يسمح بالمجاملة.

داخل الفصل

نبدأ بالأرقام، وهى لا تجامل. فى اختبار PIRLS الدولى للقراءة لتلاميذ الصف الرابع، دورة 2021، حصلت مصر على 378 نقطة، والمقياس يتمركز عند 500. ترتيبنا كان 55 من 57 دولة، بحسب التقرير الرسمى للاختبار. والأقسى من الترتيب ملاحظة صغيرة فى الهامش: أكثر من 15% من تلاميذنا المشاركين كانت مهاراتهم أضعف من أن تُقدَّر بدقة. أربع سنوات فى المدرسة، ثم يتعثر الطفل أمام نص قصير.

خذ أيضا الكثافة. فى سبتمبر 2024 أعلن وزير التربية والتعليم أن إضافة نحو 100 ألف فصل جعلت الكثافة «أقل من 50 طالبا» فى الفصل، باستثناء عدد محدود من المدارس. هذا مجهود حقيقى ولا أقلل منه. لكن تأمل معى الرقم الذى نعتبره خبرا سعيدا: قرابة خمسين طفلا ومعلم واحد. فى فصل كهذا لا يجد الطفل البطىء من يأخذ بيده، ولا يجد الشاطر وقتا ليسأل. يبقى التلقين هو الحل الوحيد الممكن عمليا.

ثم يأتى الامتحان فيقفل الدائرة. الطالب يفهم مبكرا جدا أن المطلوب منه أن «يتوقع» السؤال ويحفظ نموذج الإجابة. وحول هذا قامت سوق موازية كاملة، من المراجعة النهائية ليلة الامتحان إلى الدرس الخصوصى الذى يبيع «المضمون». ننفق فلوسا وأعمارا، والحصيلة مهارة واحدة: أن تتذكر حتى آخر اللجنة.

فنلندا.. وما لا يقال عنها

كلما فُتح موضوع التعليم ذكر أحدهم فنلندا. ومن حقه؛ فهى أشهر نموذج تعليمى فى العالم، وظلت سنوات فى صدارة اختبار PISA الذى تجريه منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية لطلاب الخامسة عشرة.

لكن الأمانة تقتضى أن نكمل القصة. فنلندا لم تعد فى القمة. فى دورة 2022 سجل طلابها 484 نقطة فى الرياضيات، أقل بـ64 نقطة من ذروتهم عام 2006، والكلام هنا لوزارة التعليم الفنلندية نفسها، بينما تصدرت سنغافورة المواد الثلاث. وفى نتائج PISA 2025 التى ظهرت فى سبتمبر الماضى، بمشاركة 91 دولة واقتصادا، جاءت فى المقدمة المقاطعات الصينية الأربع (بكين وشنغهاى وجيانغسو وتشجيانغ) ومعها سنغافورة. فنلندا بقيت فوق متوسط دول المنظمة، لكن وزارتها اعترفت بأن التراجع مستمر.

لماذا أحكى هذا؟ لأن من يرفع شعار «نعمل زى فنلندا» يحتاج أن يعرف أن النماذج تشيخ إذا توقفت عن مراجعة نفسها. المطلوب أن نفهم ما الذى رفعها أصلا.

والمراجع الرسمية الفنلندية تقول الكثير هنا. التعليم الإلزامى يبدأ عادة فى العام الذى يتم فيه الطفل السابعة، تسبقه سنة تمهيدية واحدة. لا يوجد امتحان وطنى موحد طوال سنوات الدراسة إلا امتحان واحد فى نهاية الثانوى اسمه «الماتريكوليشن». الحصة فى العادة 45 دقيقة، والأطفال يقضون الفسحة فى الهواء الطلق حتى فى عز الشتاء الإسكندنافى. أما معلم الابتدائى فيدرس خمس أو ست سنوات ليحصل على درجة عليا قائمة على البحث، ولا تقبل برامج إعداد المعلمين، بحسب الخبير التربوى باسى سالبرج، إلا نحو واحد من كل عشرة متقدمين.

وسنغافورة، صاحبة المركز الأول، ليست بعيدة عن هذا المنطق رغم صرامتها الشهيرة. منذ 2019 ألغت كل الامتحانات والتقييمات المحتسبة فى الصفين الأول والثانى الابتدائى، وشالت ترتيب الطالب على فصله من الشهادة. ثم ألغت امتحانات منتصف العام فى كل المدارس الابتدائية والثانوية بداية من 2023. البلد الأول فى العالم يقلل الامتحانات، ونحن ما زلنا نزيدها.

خلونا نتفق على شىء: أنا لست ضد الحفظ. جدول الضرب يُحفظ، وقواعد النحو تُحفظ، وكتاب الله يُحفظ. المشكلة تبدأ حين يصبح الحفظ هو كل الحكاية.

الطالب الذى يكتب تعريف «الكثافة» صحيحا ولم يجرب يوما أن يضع قطعة خشب وقطعة حديد فى طبق مياه، تعلم جملة. وزميله الذى يحفظ تواريخ المعارك ولا يفكر لحظة فى أسبابها، تعلم قائمة.

فنلندا بدأت فى 2016 تطبيق منهج أساسى جديد يهتم بما تسميه «الكفاءات المستعرضة»، أى المهارات التى تعيش داخل كل المواد. ونص المنهج على أن يدرس كل تلميذ كل سنة وحدة واحدة على الأقل تجمع عدة مواد حول ظاهرة واحدة. انتشرت بعدها شائعة أن فنلندا «ألغت المواد». غير صحيح، وقد نفته وزارتها. ما فعلته أنها مدّت جسورا بين المواد. موضوع مثل المياه يجمع العلوم والجغرافيا والحساب واللغة، فيخرج الطفل وقد فهم لماذا يتعلم كل واحدة منها.

نحن نطلب من أولادنا أن يتذكروا. لم نحاول بجد أن نقنعهم أولا بقيمة ما يتذكرونه.

اتركوهم يلعبوا

السنوات الأولى تحسم علاقة الطفل بالمدرسة كلها. إما مكان يحبه ويستكشف فيه، وإما مكان ينتظر فيه الجرس.

ومع ذلك نعامل حصة الألعاب والرسم والموسيقى معاملة «الاحتياطى». أول ما يضغط المنهج تُسلَّم لمدرس العربى أو الحساب، والكل راضٍ.

هذا حساب خاطئ. فى الملعب يتعلم الطفل الانضباط، ويتعلم أن يخسر دون أن ينهار. فى الرسم يتدرب على الملاحظة. والمسرح المدرسى يعطيه شجاعة الوقوف أمام الناس. وكل من ربّى طفلا يعرف أن الطفل الذى جرى ولعب يرجع إلى مقعده أهدأ وأقدر على التركيز.

وعندنا تجربة تستحق أن يُشار إليها بالتقدير: المدارس المصرية اليابانية، التى نقلت فكرة «التوكاتسو»، أى الأنشطة الخاصة. التلاميذ هناك ينظفون فصولهم ويتقاسمون مهام جماعية يومية، فيتعلمون المسؤولية من غير محاضرات. المشكلة فى الحجم. بحسب تقرير لموقع «إيجيبشن ستريتس»، كانت هذه المدارس 55 مدرسة فى مطلع 2025، تضم نحو 16 ألف طالب، مع هدف بالوصول إلى 100 ثم إلى 500 مدرسة. تجربة ناجحة، لكنها لا تزال قليلة جدا قياسا بملايين التلاميذ. والتوكاتسو فى جوهره لا يحتاج مبنى فاخرا. يحتاج تدريبا وقرارا، وكلاهما فى متناولنا.

البرمجة.. ولماذا لا ننتظر الثانوى

القراءة والكتابة كانتا محو أمية القرن الماضى. اليوم يضاف إليهما التفكير الحسابى. لا أقصد أن يصير كل طفل مبرمجا، فهذا كلام فارغ. أقصد أن يتعلم كيف يفكك مشكلة كبيرة إلى خطوات صغيرة، ويجرب ويغلط ويصلح غلطه، وأن يعرف أن الموبايل الذى فى يده شىء يمكن أن يصنعه، لا شيئا يستهلكه فقط.

إستونيا، البلد الصغير الذى صار من أكثر دول العالم رقمنة، أطلقت عام 2012 برنامج «ProgeTiiger» عن طريق مؤسسة «قفزة النمر»، وبدأته بتدريب معلمى الابتدائى على تعليم البرمجة. وإستونيا اليوم بين العشرة الأوائل فى PISA 2025 وفقا لنتائج منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية.

ولمصر هنا خطوة تُحسب. أعلنت وزارة التربية والتعليم فى سبتمبر 2025 تدريس مادة البرمجة والذكاء الاصطناعى لطلاب الصف الأول الثانوى بداية من العام الدراسى 2025/2026، عبر منصة «كيورو» بالتعاون مع شركة «سبريكس» اليابانية. القرار سليم. ملاحظتى على التوقيت فقط. ابن الخامسة عشرة الذى يقابل البرمجة لأول مرة يكون قد قضى عشر سنوات يتدرب على الحفظ. البرمجة المبسطة، بالألعاب والمكعبات الرقمية، مكانها الصف الثالث أو الرابع الابتدائى، وتدخل كتحدٍّ ممتع، لا ككتاب جديد فى الشنطة.

أما التفكير النقدى فلا يحتاج كمبيوتر أصلا. يحتاج معلما يقول لتلميذه «طيب، وإنت شايف إيه؟»، وامتحانا لا يخصم الدرجة من إجابة مختلفة لمجرد أنها لم ترد فى النموذج.

المعلم أولا

تستطيع أن تكتب أحسن منهج على وجه الأرض، ثم تراه يتحول فى فصل مزدحم، مع معلم مرهق، إلى ملخص من ورقتين.

سر فنلندا الأكبر هو المعلم. مهنة يتنافس عليها الشباب، وإعداد جامعى طويل يخلط المادة العلمية بعلم النفس والبحث، ومكانة تجعل التدريس اختيارا أول. ويلفت سالبرج إلى أن الاختيار هناك لا يذهب لأصحاب أعلى الدرجات بالضرورة، وإنما يبحث عمن عنده شغف حقيقى بأن يقضى عمره فى التدريس.

المعلم المصرى يستحق أن يُرد إليه اعتباره. دخل يغنيه عن السنتر، وتدريب حقيقى بدل شهادات الحضور، ومساحة ليختار طريقته فى الشرح، وتقييم يسأل عما فهمه تلاميذه، مش عن عدد الصفحات التى «خلّصها». وقد أحسنت الدولة حين توسعت مع اليابان فى دبلومة إعداد معلمى التوكاتسو بعدد من الجامعات المصرية. أتمنى أن تصبح هذه هى القاعدة فى كليات التربية كلها.

الثانوية العامة وأخواتها

لا يوجد بيت فى مصر لم يدخل «حالة الطوارئ» سنة الثانوية العامة. البيت يتحول إلى معسكر، والأعصاب مشدودة، ومستقبل الولد معلق على ورقة واحدة فى يوم واحد.

الدولة انتبهت لهذا. نظام التعليم الجديد الذى انطلق عام 2018 حاول تغيير فلسفة المراحل الأولى. ثم جاء نظام «البكالوريا المصرية»، الذى نُشر قراره الوزارى فى الوقائع المصرية فى سبتمبر 2025، ويُطبّق اختياريا منذ العام الدراسى 2025/2026، بمسارات تخصصية تبدأ من الصف الثانى الثانوى، وفرصتين لامتحان كل مادة فى السنة. وبحسب تصريح لوزير التعليم فى ديسمبر 2025، اختار هذا النظام 92% من طلاب الصف الأول الثانوى. الرقم هنا رقم الوزير، ولم تصدر به حتى الآن بيانات من جهة مستقلة.

كسر فكرة «الفرصة الواحدة» مكسب كبير، وأنا أرحب به. لكنه تعديل فى شكل الامتحان. طالما بقى السؤال يقيس قدرة الطالب على الاسترجاع، سيُدرَّس المنهج كله من أجل الاسترجاع، وسيظل هناك من يبيع «توقعات» الأسئلة. أريد امتحانا يشبه كشف الطبيب: يقول لنا ماذا فهم الطالب، وأين يتعثر. لا ميزانا يفرز الأطفال بكسور عشرية.

روشتة

لا أملك الحل كله، ولا أظن أن أحدا يملكه وحده. لكن هذه نقاط عملية أضعها أمام صانع القرار وأمام كل أسرة:

  • لا درجات قبل الصف الرابع: تقييم وصفى يتابع تقدم الطفل من الحضانة حتى الصف الثالث، من غير ترتيب ولا «أوائل»، على طريقة سنغافورة.
  • حركة وفنون كل يوم: حصة رياضة أو لعب حر فى الابتدائى لا تُقتطع لصالح أى مادة، ورسم وموسيقى ومسرح بمعلمين متخصصين، تدخل فى ملف الطالب وتُحترم مثل غيرها.
  • برمجة من الابتدائى: ألعاب تفكير حسابى من الصف الثالث، وبرمجة فعلية من الإعدادى.
  • منهج أخف: مراجعة جادة لكل وحدة، والإبقاء على ما يحتاجه الطالب فعلا فى حياته وفى خطوته التالية.
  • مشروع كل ترم: موضوع من حياتنا، النيل أو الطاقة الشمسية أو المرور، تشترك فيه العلوم والرياضيات واللغة.
  • توكاتسو فى كل مدرسة حكومية: بالتدريب أولا، ومن غير انتظار مبان جديدة.
  • المعلم: زيادة تدريجية فى الدخل مربوطة بالتدريب والأداء، ورفع معايير القبول فى كليات التربية.
  • امتحانات تقيس الفهم وقياس معلن: أسئلة تطبيق ومشروعات وعروض شفهية، ومشاركة منتظمة فى الاختبارات الدولية مع نشر النتائج كاملة.

أعود إلى طفل الساعة السابعة.

لن أصدق أننا أصلحنا التعليم يوم تُعلن نتيجة أو يُفتتح مبنى. سأصدق ذلك يوم أراه ماشيا إلى مدرسته وظهره مفرود، شنطته خفيفة، وفى رأسه سؤال يستعجل أن يسأله لمعلمه. ساعتها فقط نكون قد عرفنا إلى أين نحن ذاهبون.

شارك الخبر: فيسبوك واتساب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top