اجتمع فى موسكو يومى 28 و29 أكتوبر قادة ووفود القارة فى القمة الروسية الأفريقية الثالثة، وكان بينهم الرئيس عبد الفتاح السيسى ورئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد. ومن يقرأ ما جرى فى أروقة الكرملين يجد رسالتين مختلفتين خرجتا من المكان نفسه. القاهرة حملت إلى موسكو حجم شراكة اقتصادية واستراتيجية لا تملكه أى عاصمة أفريقية أخرى، وطرحت أمام بوتين ثم أمام القادة الأفارقة موقفها المائى بلغة القانون الدولى. وأديس أبابا جاءت بملفات أخرى، أبرزها إعلان آبى أحمد تسلّم مقاتلات روسية.
هذا المقال قراءة تحليلية لموقع «رؤية» فى ما تعنيه الزيارة لملف النيل. ننطلق فيها من الوقائع المنشورة، ونفصل بينها وبين التقدير.
ماذا جرى فى الكرملين
التقى السيسى بوتين يوم الأربعاء 28 أكتوبر على هامش القمة، وهى ثالث نسخة من صيغة انطلقت من سوتشى عام 2019 بقمة شارك السيسى فى رئاستها. وكان بوتين قد وجّه الدعوة بنفسه للرئيس المصرى حين التقيا فى قمة بريكس بنيودلهى فى سبتمبر الماضى، وذكّره وقتها بدوره فى تأسيس هذه الصيغة، حسب وكالة «تاس».
وبحسب ما نشرته «ديلى نيوز إيجبت» عن اللقاء، أعلن بوتين أن التبادل التجارى بين البلدين تخطى 10 مليارات دولار فى 2025 لأول مرة، وأنه زاد 14% فى الأشهر الثمانية الأولى من 2026. وعرض الجانبان ما وصل إليه مشروع الضبعة النووى، ومنه تركيب وعاء ضغط المفاعل فى الوحدة الثانية فى 9 يوليو. وأكدت القاهرة التزامها بالجدول الزمنى للمشروع وبمستحقاته، وتحدثت عن تعاون نووى أوسع بعد 2030. وأبدت مصر استعدادها لتقديم التيسيرات والإعفاءات للشركة الروسية التى تدير المنطقة الصناعية الروسية فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس. وأشاد بوتين بما وصفه بالدور «المحورى» لمصر فى المنطقة، وتعهد بتكثيف التنسيق السياسى معها.
وداخل الكرملين نفسه، وضع السيسى ملف المياه بوضوح: المياه قضية وجودية لمصر، والقاهرة ترفض تماما أى إجراءات أحادية فى حوض النيل الشرقى، وأى مشروعات على المجرى المشترك يجب أن تراعى حقوق الدول المعنية ومصالحها. وقد نقلت هذا المضمون «ديلى نيوز إيجبت» وموقع «سى نيوز» كلاهما، ولم يرد فى التغطيات اسم سد النهضة ولا اسم إثيوبيا.
الكلمة أمام القارة: القانون الدولى لا منطق الأمر الواقع
فى اليوم التالى، الخميس 29 أكتوبر، تحدث السيسى أمام الجلسة العامة. وحسب ما نشرته «الوطن» و«صدى البلد»، قال إن مصر تعانى ندرة شديدة فى المياه وتعتمد أساسا على النيل. ودعا إلى إدارة الأنهار العابرة للحدود وفق القانون الدولى وبمبادئه المعروفة: عدم الإضرار، والإخطار المسبق، والتشاور، والتوافق. وقال إن المياه العابرة للحدود يجب أن تكون «جسرا للتعاون والتفاهم بين الشعوب».
وفى الكلمة نفسها رفض الرئيس أى تحركات تستغل هشاشة الأوضاع لعسكرة البحر الأحمر أو لفرض وجود عسكرى لدول غير مشاطئة له على سواحله. وعبّر عن قلق بالغ من تصاعد التوتر فى القرن الأفريقى، وجدد رفض مصر القاطع لأى محاولة لتقويض وحدة السودان.
المهم هنا هو اختيار المنبر. هذه ليست ندوة مصرية ولا جلسة فى مجلس الأمن. إنها قاعة يجلس فيها معظم قادة القارة، والمضيف قوة كبرى تربطها علاقات جيدة بالقاهرة وأديس أبابا معا. وفى قاعة كهذه عرضت مصر قضيتها بلغة لا يستطيع أحد من الحاضرين أن يعترض عليها علنا، لأنها مبادئ قانون المياه الدولى المستقرة. ولم تُسمِّ الكلمة أحدا ولم تهاجم أحدا، ومع ذلك يعرف كل من فى القاعة إلى من تتجه.
آبى أحمد فى القاعة نفسها
حضر آبى أحمد القمة بالفعل. وحسب صفحة الكرملين الرسمية، التقى بوتين على هامشها، وتحدث بوتين عن تجاوز التبادل التجارى بين البلدين 1.3 مليار دولار فى الأشهر التسعة الأولى من العام. أما آبى فاقترح تعاونا فى الطاقة النووية والصحة، وأهدى بوتين النسخة الروسية من كتابه «مِدِمِر». وتضع صفحة الكرملين اللقاء يوم 28 أكتوبر، بينما يذكر موقع «أول أفريكا» أنه جرى يوم 29.
لكن الخبر الأبرز من الجانب الإثيوبى لم يكن فى النص الرسمى للقاء. فقد أعلن آبى أحمد عبر حسابه على منصة إكس، أثناء وجوده فى موسكو، أن بلاده تسلمت 12 مقاتلة روسية من طراز سوخوى 35 قبل موعدها بعام، وأنها ستحصل على أربع بطاريات دفاع جوى من طراز إس 400. ونقلت ذلك «الجزيرة» نقلا عن «رويترز»، وموقع «ذا وور زون» الذى أشار إلى أن «تاس» نشرت الخبر أيضا. وقال آبى إن هذه المعدات ستعزز قدرة بلاده على «الردع الاستباقى للعدوان». ولم يُعلن موعد لتسليم منظومة إس 400. وتذكر صفحة الكرملين أن مدير الهيئة الروسية للتعاون العسكرى الفنى كان ضمن الحضور، وإن لم يتطرق الجزء المنشور من الحديث إلى السلاح.
أما عن لقاء مصرى إثيوبى على هامش القمة، فلم نعثر على أى خبر منشور عنه، رسميا كان أو غير رسمى. وهذا يختلف عن قمة سوتشى 2019، حين التقى السيسى وآبى أحمد على هامشها واتفقا على استئناف مفاوضات السد، والتقى بوتين يومها كلا منهما على حدة وعرض المساعدة، كما ذكرت صحيفة «ذا إيست أفريكان» وقتها.
وللإنصاف، فإن ربط صفقة الطائرات بمصر تحليل لبعض الكتّاب الأجانب، وليس موقفا رسميا لموسكو أو لأديس أبابا. والتغطيات المهنية للصفقة ربطتها أساسا بالتوتر مع إريتريا وبالقتال فى إقليم تيجراى. ولم يصدر عن القاهرة تعليق رسمى على الصفقة حتى كتابة هذه السطور.
موسكو لا تختار بين القاهرة وأديس أبابا
لا يصح أن نقول إن روسيا انحازت لمصر ضد إثيوبيا، ولا العكس. فموقف موسكو المعلن من السد ثابت منذ سنوات. فى أبريل 2021 قال وزير الخارجية سيرجى لافروف فى القاهرة إن الخلاف تحله الدول الثلاث بالحوار، وعرض مساعدة فنية بصور الأقمار الصناعية وخبراء الطاقة المائية، وأكد مبدأ «الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية»، كما نقلت «تاس». ولم نجد ما يدل على تغير هذا الموقف فى قمة 2026.
كذلك لا تتضمن تغطيات الإعلان الختامى للقمة، كما نقلتها «برناما» عن «شينخوا»، بندا خاصا بالأنهار العابرة للحدود. يركز الإعلان على السيادة الوطنية وعدم التدخل واحترام ميثاق الأمم المتحدة، وعلى التجارة والطاقة والزراعة ومكافحة الإرهاب. ولم نطلع على النص الكامل للإعلان، فلا نجزم بغياب أى إشارة للمياه فيه.
لكن الحياد الروسى نفسه يعمل لصالح مصر أكثر مما يبدو. إثيوبيا حصلت من موسكو على سلاح، وهذا شأن سيادى لها. أما ما تحتاجه سياسيا فى ملف النيل، وهو غطاء دولى يعامل السد كأمر واقع مقبول، فلم تحصل عليه من هذه القمة بحسب كل ما نُشر. وفى المقابل سمع الرئيس الروسى ومعه القادة الأفارقة الرواية المصرية بلغة القانون، من الدولة التى تملك أكبر حجم شراكة مع روسيا فى القارة.
أوراق القوة المصرية
إذا سألنا لماذا تتحدث القاهرة بهذه الثقة فى عاصمة تبيع السلاح لخصمها فى ملف المياه، فالإجابة فى الأوراق التى تملكها:
- وزن اقتصادى لا يقارن: تجارة تتجاوز 10 مليارات دولار سنويا مع روسيا، مقابل نحو 1.3 مليار لإثيوبيا فى تسعة أشهر، حسب أرقام بوتين نفسه.
- مشروعات طويلة المدى تربط موسكو بالقاهرة لعقود: محطة الضبعة النووية، والمنطقة الصناعية الروسية فى قناة السويس.
- غطاء إقليمى مكتوب: «إعلان العلمين» الصادر فى 4 أكتوبر عن قمة مصر والسودان وإريتريا والصومال، الذى رفض الإجراءات الأحادية الضارة بدولتى المصب، وجعل حوكمة البحر الأحمر حكرا على الدول المشاطئة.
- سجل قانونى متراكم: خطاب مصر لمجلس الأمن يوم افتتاح السد فى 9 سبتمبر 2025، الذى وصف الافتتاح بأنه إجراء أحادى يخالف القانون الدولى.
- عضوية مشتركة فى بريكس: مصر وإثيوبيا كلتاهما فى التكتل، فلا يستطيع أى منهما احتكار المنبر.
أين يضيق هامش المناورة الإثيوبى
أصل الخلاف أن أديس أبابا افتتحت السد رسميا فى 9 سبتمبر 2025 دون اتفاق ملزم على قواعد الملء والتشغيل. وقال آبى يومها إن السد لا يهدد دول المصب، بينما احتجت القاهرة رسميا، حسب «جلف نيوز» و«ذا ناشيونال». ومنذ ذلك الحين يتحرك الموقف المصرى على خطين متوازيين. الأول هو التمسك بالدبلوماسية. والثانى هو التحذير من أن هذا النهج له حدود. فقد قال وزير الخارجية بدر عبد العاطى فى ديسمبر 2025 إن أى سدود جديدة تُبنى دون إخطار وتنسيق مسبقين «ستواجه ردا مصريا». وقال السيسى فى 29 سبتمبر الماضى إن الدبلوماسية خيار مصر، لكنها لن تكون على حساب وجود مصر وشعبها، حسب ما نقله موقع «إيجيبشن ستريتس» وحده.
وفى المقابل، جدد آبى أحمد يوم أدائه اليمين لولاية جديدة فى 5 أكتوبر مطالبته بمنفذ على البحر الأحمر، حسب «الجزيرة». وجاءت المطالبة بعد يوم واحد من «إعلان العلمين». ثم جاءت كلمة السيسى فى موسكو لتكرر رفض أى وجود عسكرى لدول غير مشاطئة على البحر الأحمر، أمام القارة كلها ومن عاصمة صديقة لأديس أبابا.
هنا تقدير «رؤية»: ما جرى فى موسكو لم يعطل مشروعا إثيوبيا بعينه، ولا يصح أن نزعم ذلك. لكنه ضيّق المساحة التى تتحرك فيها أديس أبابا دبلوماسيا. صفقات السلاح لا تصنع شرعية قانونية لسد بلا اتفاق، ولا تفتح منفذا بحريا يرفضه أصحاب السواحل. وكل منبر دولى تحضره إثيوبيا صار يسمع فيه الحاضرون الرواية المصرية واضحة ومحددة.
ذراع لا يُلوى.. بلغة القانون
حين نقول إن «مصر ذراعها لا يُلوى» فنحن نعبر عن قراءتنا لسلوك سياسى محدد، ولا نصف مواجهة عسكرية أو تهديدا. وتتلخص هذه القراءة فى أن الإعلان عن مقاتلات وبطاريات صواريخ فى العاصمة نفسها لم يغير حرفا فى الخطاب المصرى. لم تنفعل القاهرة ولم تتراجع. قالت فى الكرملين ثم فى الجلسة العامة الكلام نفسه الذى تقوله منذ سنوات: المياه قضية وجود، والإجراءات الأحادية مرفوضة، والقانون الدولى هو المرجع. ثم عادت بتعهدات اقتصادية ونووية تزيد اعتماد شريك كبير مثل روسيا على استقرار مصر ونجاحها.
وهذا لا يعنى أن الملف اقترب من الحل. فلا يوجد حتى الآن اتفاق ملزم على تشغيل السد، والتوتر فى القرن الأفريقى يتصاعد، والقوى الكبرى تتعامل مع الطرفين فى وقت واحد. لكن ميزان الأوراق، كما بدا فى موسكو، يميل لصالح دولة تجمع بين اقتصاد ضخم مرتبط بشركائها، وتحالفات إقليمية مكتوبة، وخطاب قانونى ثابت. والرسالة التى خرجت من هناك أن مصر لن تغير موقفها تحت ضغط الأمر الواقع، وأن أبوابها مفتوحة لأى تفاوض جاد يضمن حقوق الجميع.
المصادر: tass.com · www.africanews.com · tass.com · www.dailynewsegypt.com · see.news · www.elwatannews.com · www.elbalad.news · www.bernama.com · en.kremlin.ru · allafrica.com · www.aljazeera.com · www.twz.com · www.theeastafrican.co.ke · tass.com · gulfnews.com · www.thenationalnews.com · egyptianstreets.com · sudantribune.net · www.aljazeera.com



