السبت، 31 أكتوبر 2026 19 جمادى الأولى 1448 هـ | 22 بابة 1743 ش | السنة المصرية 6267
القاهرة، 23°م دولار 56.03 | يورو 62.56
عاجل
إحدى أنشطة المجلس الوطني للتنمية والتدريب
أخبار · رأي · تحليل
"التاريخ يعيد نفسه لأن الناس لا يتعلمون منه."
— ابن خلدون
رئيس مجلس الإدارة
رفيق سامي
المدير التنفيذي للموقع
وجيه نزيه
أدب وقصص

«حول العالم في 200 يوم» لأنيس منصور.. حين تحوّلت الرحلة إلى مدرسة أدبية كاملة

سبتمبر 5, 2026

يحتل كتاب «حول العالم في 200 يوم» لأنيس منصور مكانة استثنائية في وجدان القارئ العربي، ليس فقط لأنه أحد أشهر كتب أدب الرحلات في المكتبة العربية الحديثة، بل لأنه تحوّل عبر عقود إلى ما يشبه «الكتاب المرجعي» الذي يقرأه كل جيل جديد من القراء العرب باعتباره بوابته الأولى لأدب الرحلة الممزوج بالفلسفة والصحافة والسيرة الذاتية في آن واحد. صدر الكتاب لأول مرة أواخر الستينيات، ليوثق رحلة استغرقت نحو 200 يوم طاف خلالها أنيس منصور معظم قارات العالم، لكنه لم يكتبها كتقرير جغرافي جاف، بل حوّلها إلى نسيج أدبي فريد يمزج بين الوصف والتأمل والسخرية والحكمة.

فكرة الكتاب: رحلة إلى العالم أم رحلة إلى الذات؟

الفكرة الظاهرة للكتاب بسيطة: كاتب صحفي مصري يقرر أن يطوف حول الكرة الأرضية، ويسجل ما يراه من مدن وشعوب وعادات وغرائب. لكن من يقرأ الكتاب بعمق يكتشف أن أنيس منصور لم يكن يكتب عن العالم بقدر ما كان يكتب عن نفسه وهو يواجه هذا العالم. فكل مدينة يزورها تتحول إلى مناسبة للتأمل في سؤال إنساني أو فلسفي أكبر: ما معنى التقدم؟ لماذا تختلف الشعوب في نظرتها للزمن والعمل والسعادة؟ وكيف يرى الآخر مصر والعرب حين يقابلهم وجها لوجه بعيدا عن الصورة النمطية؟ هذا البعد الفلسفي هو ما رفع الكتاب من مجرد «يوميات رحلة» إلى عمل أدبي يعاد قراءته وتحليله حتى اليوم.

أسلوب أنيس منصور.. الفلسفة في ثوب صحفي خفيف

يمثل هذا الكتاب نموذجا مكثفا لما عُرف لاحقا بـ«أسلوب أنيس منصور»، الذي جعله واحدا من أكثر الكتّاب العرب تأثيرا في القرن العشرين. فهو خريج قسم الفلسفة، لكنه اختار أن يكتب الفلسفة بلغة الصحافة اليومية: جمل قصيرة، فقرات مكثفة، وانتقال سريع بين الفكرة والنكتة والملاحظة العابرة. هذا الأسلوب السهل الممتنع هو سر انتشار كتبه على نطاق واسع، إذ نجح في تبسيط أفكار معقدة عن الحضارة والإنسان والزمن دون أن يفقدها عمقها، بأسلوب قريب من القارئ العادي وليس حكرا على النخبة المثقفة.

كما يتميز أسلوبه في هذا الكتاب تحديدا بالمقارنة الدائمة بين ما يراه في الخارج وما يعرفه عن مصر والشرق، في محاولة لفهم أسباب التفاوت الحضاري دون أن يقع في فخ جلد الذات أو التطبيل الأعمى للغرب، بل غالبا ما يقدّم رؤية وسطية تحاول أن تفهم الأسباب العميقة وراء ما يراه من تقدم أو تخلف.

طرائف الكتاب ولمحات من الرحلة

من أكثر ما يميز الكتاب قدرة أنيس منصور على التقاط المفارقات الطريفة في المواقف اليومية أثناء سفره، سواء في تعامله مع الجمارك والفنادق في بلدان لا يعرف لغتها، أو في المواقف الإنسانية الصغيرة التي يحوّلها إلى دروس كبيرة عن اختلاف الثقافات. هذه اللمسة الساخرة الخفيفة، التي لا تصل إلى حد السخرية اللاذعة، هي ما يجعل قراءة الكتاب ممتعة حتى في أكثر أجزائه تأملا وجدية، إذ يوازن الكاتب بمهارة بين اللحظة الفلسفية العميقة واللحظة الطريفة العابرة، بحيث لا يشعر القارئ بالملل مهما طال الكتاب.

نقد لأنيس منصور: بين الإعجاب والتحفظ

رغم المكانة الكبيرة التي يحظى بها أنيس منصور في تاريخ الصحافة والأدب العربي، فإن مسيرته لم تخل من الجدل الذي لا يمكن تجاهله عند أي مراجعة نقدية منصفة. فمن الناحية الأدبية، وجّه بعض النقاد لأسلوبه في كتب الرحلات عموما اتهاما بالميل أحيانا إلى التعميم السريع والأحكام المسبقة عن الشعوب والثقافات، بدافع الرغبة في صياغة عبارة لافتة أو «حكمة» قابلة للاقتباس، على حساب الدقة والتعمق الأنثروبولوجي الحقيقي في الظواهر التي يتناولها.

أما على الصعيد السياسي والفكري، فقد ارتبط اسم أنيس منصور بشكل وثيق بحقبة الرئيس الراحل أنور السادات، إذ كان من أقرب المقربين إليه ومحرري خطاباته، وهو ما جعله عرضة لانتقادات واسعة اعتبرته صوتا إعلاميا مقربا من السلطة أكثر من كونه صحفيا مستقلا، خصوصا في المرحلة التي تلت اغتيال السادات، حين تعرض لحملات هجوم شرسة من خصوم النظام السابق. كما اتُّهم في مقالات لاحقة بتبني أفكار مثيرة للجدل حول نظريات المؤامرة والتاريخ، وهو ما استغله خصومه لمهاجمة مصداقيته الفكرية العامة.

ومع ذلك، يظل الإنصاف يقتضي الفصل بين الجدل السياسي حول أنيس منصور الشخصية العامة، وبين قيمته الأدبية الحقيقية ككاتب رحلات وصحفي ثقافي غزير الإنتاج، ترك للمكتبة العربية أكثر من 70 كتابا، ونجح في تقريب القارئ العربي العادي من عوالم الفلسفة والعلم والسفر بأسلوب لم يكرره أحد بنفس الدرجة من السلاسة والانتشار حتى اليوم.

خلاصة

يبقى «حول العالم في 200 يوم» شاهدا حيا على قدرة الكتابة الصحفية الذكية على أن تتحول إلى أدب خالد، وعلى أن الرحلة الحقيقية ليست فقط في العبور بين المدن، بل في العبور بين الأفكار. كتاب يستحق أن يُقرأ اليوم كما قُرئ منذ عقود، لا فقط كوثيقة عن عالم الستينيات، بل كدرس في كيفية النظر إلى «الآخر» بعين فضولية متسائلة، بعيدا عن التحيز أو الانبهار الأعمى.

شارك الخبر: فيسبوك واتساب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top