لوحة أولى: شباك فى ضلع المولد
فى شارع ضيق يتفرع من الميدان الكبير الذى يحيط بالمسجد الأحمدى، كما يتفرع ضلع من صدر، كانت «صيدلية السلامة» تقف منذ ستين عاماً على ناصية لا يعرف أهل طنطا اسمها الرسمى، ويسمونها «ناصية الدكتور». واجهة من الألومنيوم الذى كان فضياً ثم صار رمادياً، وفوقها لافتة مضيئة نصف حروفها تعمل ونصفها مات، وصليب أخضر من النيون يرتعش طوال الليل ارتعاشاً خفيفاً كأنه يعانى برداً مزمناً لا تنفع فيه الأدوية التى تحته. وإلى جوار الباب، مثبتاً فى الحائط بمسمارين ولصق قديم، زر جرس أبيض صغير، يعرفه أهل الحى كما يعرفون مواعيد الصلاة، فمن جاء بعد الواحدة ووجد الباب الزجاجى مغلقاً ضغط عليه، فانفتح فى الشبكة الحديدية شباك صغير بحجم وجه، وأطل منه وجه الدكتور.
وكانت الليلة ليلة الختام، الليلة الكبيرة من مولد السيد البدوى، والمدينة كلها قد خرجت من بيوتها كما يخرج الماء من إناء امتلأ أكثر مما ينبغى. الميدان بحر من الرؤوس والطواقى والطرح الملونة، والخيام منصوبة فى كل فراغ: خيام الذكر بأقمشتها المزخرفة بالأحمر والأزرق والأصفر، وخيام الطعام تفوح منها رائحة الفول والطعمية والكبدة، وخيام أهل القرى الذين جاءوا من كفر الشيخ والمنوفية والبحيرة ونصبوا بيوتاً من قماش على الرصيف، ونامت فيها نساؤهم وأطفالهم وحلل المحشى. والمراجيح الحديدية تعلو وتهبط بصرير طويل وصراخ أطفال لا يُعرف أهو خوف أم فرح، والنيشان يطقطق ببنادقه الهوائية، والميكروفونات تتنافس، فمن هذه الخيمة مداح يمدّ صوته فى «يا سيدى يا بدوى» حتى يرق ويكاد ينقطع، ومن تلك أغنية شعبية حديثة لا علاقة لها بالأولياء ولا بالأحياء. وفوق ذلك كله، المئذنتان الشاهقتان للمسجد، مضاءتين بالأخضر، تنظران إلى الزحام من علٍ نظرة جد طيب إلى أحفاد يكسرون الأثاث.
وعلى رفوف الصيدلية، فى الداخل، كانت الدنيا أهدأ. رفوف من الخشب البنى الغامق صنعها نجار من أيام الصيدلى الأول، وفوقها رفوف معدنية بيضاء أضيفت حين صار للأدوية أسماء أكثر من الناس. وخلف المكتب الزجاجى أدراج خشبية صغيرة لا تزال عليها بطاقات نحاسية مكتوب عليها بخط فرنسى قديم أسماء أعشاب ومساحيق لم تعد تُطلب، وميزان نحاسى للأطفال بكفة على هيئة قارب، لم يتخل عنه الدكتور رغم أن الموازين الرقمية صارت تباع بثمن علبة حلوى، لأن الأمهات، كما كان يقول، يثقن فى الميزان الذى يتأرجح أكثر مما يثقن فى الميزان الذى يجزم.
وخلف المكتب، على كرسى عالٍ بلا مسند، جلس الدكتور فهمى الزفتاوى.
رجل فى السادسة والخمسين، معتدل القامة، يميل إلى النحافة نحافة من يأكل واقفاً، أشيب الشعر عند الفودين وأسوده فى الوسط كأن الشيب لم يقرر بعد أن يحتل رأسه كله. يلبس البالطو الأبيض مزرراً حتى الرقبة فى كل الفصول، وفى جيبه العلوى ثلاثة أقلام وكشاف صغير، ونظارة للقراءة معلقة بخيط على صدره كتميمة. أما عيناه فكانتا أهم ما فيه: عينان سوداوان واسعتان تحتهما ظلال بلون الرماد، ظلال لا تأتى من سهر ليلة أو ليلتين، بل من سهر ثلاث وعشرين سنة، حفرت تحت الجفنين خندقين صغيرين يسكنهما التعب كما يسكن الماء الحفر بعد المطر.
ثلاث وعشرون سنة والدكتور فهمى يفتح الصيدلية فى العاشرة مساءً، ويسلمها فى السابعة صباحاً لزميله الشاب، الدكتور شريف، ثم يمشى إلى بيته فى شارع البحر، فينام فى النهار نوماً متقطعاً كنوم القطط، ويصحو مع العصر، ويلتقى بزوجته على مائدة الغداء كما يلتقى قطاران على خط واحد فى محطة صغيرة: دقائق، وسلام، وصفير، ثم يمضى كل منهما فى اتجاه.
لوحة ثانية: أطلس الأوجاع
كان للدكتور فهمى فى رأسه أطلس لا يملكه غيره، أطلس للمدينة لا يُرسم بالشوارع ولا بالأحياء، بل بالأوجاع. فهو لا يعرف زبائن الليل بأسمائهم، وإنما بما يشترونه. هناك «أبو الضغط» الذى يأتى كل خميس فى الثانية عشرة والنصف ومعه كيس برتقال لأحفاده وعلبة دوائه المعتادة، و«ست الكحة» التى لا تأتى إلا فى الشتاء، تسعل عند الباب سعالاً تعرفه الصيدلية قبل أن تراها، و«المهندس» الذى يشترى كل ليلة أقراصاً للصداع ويسأل فى كل مرة إن كان الإفراط فيها يضر، فيقول له الدكتور إنه يضر، فيشترى غيرها، و«الأم الجديدة» التى تتغير كل شهر ولا تتغير، فكل شهر هناك أم جديدة فى طنطا تقف فى الثالثة فجراً أمام الشباك الحديدى بعينين مذعورتين، تسأل عن طفل لا ينام وعن حرارة لا تنزل وعن بكاء لا يُفهم، فيعطيها الدكتور ما يلزم، ويعطيها معه ما لا يباع فى الصيدليات: جملة هادئة تقول إن العيال كلها كده، وإن أمها هى نفسها كانت كده.
وكان يعرف من الوصفة الطبية ما لا تعرفه الوصفة نفسها. يعرف من الخط المرتعش أن الطبيب كتبها فى آخر يوم طويل، ومن الورقة المطوية ثمانى طيات أن صاحبها حملها أسبوعاً قبل أن يجد ثمنها، ومن الورقة النظيفة المفرودة فى حافظة بلاستيكية أن المريض أم لرجل يحبها. وكان يعرف من الطريقة التى يقول بها الزبون «عندك؟» ما إذا كان قد لف على صيدليات المدينة كلها قبله.
وقد كثر هذا السؤال فى السنين الأخيرة. فقد صار للدواء فى مصر، كما للبشر، مواسم هجرة: يختفى من الرفوف فجأة كأن الأرض ابتلعته، ثم يظهر فى صيدلية بعيدة بسعر جديد، وعلى العلبة ملصقان للسعر أحدهما فوق الآخر، كأن العلبة نفسها تشهد على نفسها. وصار الناس يأتون وفى أيديهم الهواتف، وعلى الشاشات صور العلب، يقولون «زى ده بالظبط»، كأنهم يشترون حذاءً. وصار بعضهم يأتى وقد شخّص نفسه على الإنترنت فى ربع ساعة، يحمل اسم المرض واسم الدواء ورأى ثلاثة أطباء أجانب لا يعرفونه، ويريد من الصيدلى أن يوقع على ما قرره، فإذا تردد نظروا إليه نظرة من يتعامل مع موظف بطىء فى مصلحة حكومية. وفتحت فى الميدان نفسه، فى السنتين الأخيرتين، صيدليتان كبيرتان من سلسلة واحدة، بواجهات زجاجية لامعة وموظفين بقمصان موحدة وبطاقات أسماء على الصدور، يعملون أربعاً وعشرين ساعة ويوصلون الطلبات إلى البيوت على دراجات بخارية. لكن أهل الليل ظلوا يأتون إلى ناصية الدكتور. فالمريض فى الثالثة فجراً، كما كان فهمى يقول لنفسه، لا يريد واجهة لامعة، يريد وجهاً يعرفه، وصوتاً لا يتعجل.
وكانت له قاعدة لا يحيد عنها: الصيدلى بالليل يسمع ولا يحكى. فالليل يجعل الناس يقولون عند الشباك الحديدى ما لا يقولونه لأقرب الناس إليهم فى النهار، ومن يسمع الاعتراف لا يعترف.
ولهذا بالذات لم يكن يطيق الدكتورة ريم.
فتاة فى الرابعة والعشرين، تخرجت فى كلية الصيدلة بجامعة طنطا منذ عام، قصيرة، سريعة الحركة، ترتدى طرحة كحلية ونظارة بإطار أحمر، وتتكلم بسرعة من يخشى أن يقاطعه أحد قبل أن يكمل. جاءت إليه ثلاث مرات فى الشهور الأخيرة تطلب العمل معه بالليل، وفى كل مرة قال لها بأدب جاف إن الليل لا يحتاج إلا رجلاً واحداً، وإن الصيدلية صغيرة، وإن البنات لا يعملن بالليل فى هذا الشارع. وكانت فى المرة الثالثة قد قالت له، وهى تعدل نظارتها: «حضرتك مش عايز حد يشاركك الليل يا دكتور. ده مش علشان الشارع.» فلم يرد، وأعطاها ظهره، وأخذ يرتب علب الشاش كأنها أهم شىء فى الدنيا.
وكانت ريم الليلة متطوعة فى خيمة الإسعاف التى نصبتها الجامعة فى طرف الميدان، وقد مرت عليه مرتين منذ المغرب تشترى شاشاً وقطناً ومحاليل للجفاف، وفى كل مرة تبتسم ابتسامة من يعرف أنه سيرجع.
أما زينب، زوجته، فكانت فى تلك الساعة فى البيت، فى شارع البحر، تطفئ النور فى حجرة النوم وتنام على نصف السرير، كما تفعل منذ ثلاث وعشرين سنة، تاركة النصف الآخر لرجل يأتى فى الصباح.
لوحة ثالثة: الصيدلية الثانية عشرة
فى الحادية عشرة وأربعين دقيقة، والمداح فى الخيمة المقابلة قد بلغ ذروة من ذرواته، توقفت أمام الصيدلية دراجة بخارية حمراء، عليها صندوق مكعب كبير مكتوب عليه اسم تطبيق للتوصيل، ونزل منها شاب كأنه سقط.
كان فى نحو الثالثة والعشرين، طويلاً نحيلاً، يلبس سترة واقية بلون البرتقال الباهت عليها الشعار نفسه، وخوذة رفعها عن رأسه فظهر شعر مضغوط مبتل بالعرق، ووجه أسمر لو نام ليلة واحدة لكان وسيماً. لكن عينيه كانتا حمراوين احمرار من يقود فى الليل بعينين مفتوحتين بالإرادة لا بالنوم، وجفناه ثقيلين ينزلان ثم يرتفعان بجهد، كباب حديدى يرفعه صاحبه وحده. وكانت فى يده ورقة مطوية فى حافظة بلاستيكية نظيفة.
قال وهو يضع الورقة على الزجاج:
«عندك ده يا دكتور؟ أبوس إيدك قول عندك. دى الصيدلية رقم اتناشر.»
ونظر فهمى إلى الوصفة. كان الدواء مما يسمونه فى الصيدليات «المختفى»: دواء للأعصاب، من النوع الذى لا يُوقف فجأة، يأخذه بعض المرضى بعد الجلطات ليمنع عنهم نوبات تهز أجسادهم. وكان قد اختفى من السوق منذ أسابيع، وظهر بديله المستورد بثلاثة أضعاف ثمنه، ثم اختفى البديل نفسه.
ولم يقل فهمى شيئاً. نزل عن كرسيه العالى، ومشى إلى الأدراج الخشبية القديمة ذات البطاقات النحاسية، وفتح درجاً مكتوباً عليه بالفرنسية اسم عشب لم يطلبه أحد منذ نصف قرن، وأخرج منه علبتين. فقد كان يحتفظ فى هذه الأدراج، منذ بدأت مواسم الهجرة، بقليل من كل دواء لا يجوز أن ينقطع عن صاحبه، لا يبيعه لمن يمر، بل لمن يأتى فى آخر الليل ومعه حافظة بلاستيكية نظيفة.
ووضع العلبتين على الزجاج. ونظر الشاب إليهما كما ينظر الغريق إلى خشبة.
«دى لماما. اتجلطت من سنة. لو فاتتها جرعة الصبح بتتعب. أنا داير من المغرب. والأبليكيشن بيزن علىّ عندى أوردرات متأخرة، وبيخصم.»
وأخرج حافظة نقوده، وعد أوراقاً مجعدة، وكان واضحاً أنه يعدها مرتين ليتأكد أنها تكفى. ثم تردد، ومال على الزجاج، وخفض صوته كما يخفضه الناس حين يطلبون من الصيدلى ما يخجلون منه:
«وعايز حاجة كمان يا دكتور. حاجة تصحّينى. أى حاجة. أنا ما نمتش من يومين. بشتغل بالنهار على الموتوسيكل، وبالليل بقعد جنبها. ولو نمت ممكن تحتاجنى وما أسمعهاش. فيه حاجة كده؟ زى اللى بياخدوها السواقين؟»
ونظر إليه الدكتور فهمى طويلاً. وكان قد سمع هذا الطلب ألف مرة، من سائقى النقل الثقيل وطلبة الثانوية العامة وحراس العمارات، وكان رده عليه دائماً واحداً، قصيراً، لا يحتمل النقاش. لكنه هذه المرة لم يرد فوراً. فقد سمع فى الجملة الأخيرة، «ولو نمت ممكن تحتاجنى وما أسمعهاش»، صوتاً يعرفه. صوتاً لم يسمعه من فم أحد منذ ثلاث وعشرين سنة، لأنه لم يكن يخرج من فم أحد، بل كان يتكلم فى صدره هو، كل ليلة، فى الثالثة فجراً.
قال أخيراً:
«لأ. مفيش عندى حاجة تصحّى حد. اللى عندى بيصحّى الجسم ساعة، وبعدين ياخد منه تلات ساعات. وإنت راكب موتوسيكل.» ثم أضاف بنبرة أخف: «اسمك إيه؟»
«مصطفى.»
«اقعد يا مصطفى. اشرب شاى.»
«أقعد إزاى يا دكتور، ماما…»
«مين معاها دلوقتى؟»
«أم هانى جارتنا. بس قالت لى ما تتأخرش.»
وفى تلك اللحظة، كأن السماء أرادت أن تحسم النقاش، دوى فوق المدينة رعد طويل، رعد من النوع الذى لا يأتى من مكان واحد بل يتدحرج من أول السماء إلى آخرها، وسكت المداح فى الخيمة المقابلة فى منتصف كلمة، ثم نزل المطر.
لوحة رابعة: المطر يفرّق المولد
لم يكن مطراً عادياً من أمطار أكتوبر التى تبلل الأرصفة ثم تعتذر. كان مطراً غاضباً، كثيفاً، ينزل خيوطاً بيضاء مائلة فى ضوء الكشافات، ويضرب أقمشة الخيام فتنتفخ وتئن، ويحول الميدان فى دقائق إلى بحيرة من الطين والورق المبلل وقشر الترمس. وتفرق المولد كما تتفرق الطيور حين يُطلق فى الحقل حجر. النساء يجمعن الأطفال تحت الطرح، والرجال يرفعون الحلل والأجولة فوق رؤوسهم، وأصحاب المراجيح يغطون آلاتهم بمشمع أزرق، والمداحون يحتضنون الميكروفونات كأنها أطفالهم. ثم انطفأت الكهرباء فى الشارع كله دفعة واحدة، وانطفأ الصليب الأخضر المرتعش، وغرق كل شىء فى ظلمة لا يكسرها إلا البرق.
وأشعل الدكتور فهمى كشافاً كبيراً يعمل بالبطارية، ووضعه على المكتب الزجاجى، ففاض منه ضوء أبيض بارد، ارتفع إلى الرفوف وأضاء العلب الملونة، فبدت الصيدلية فى العتمة كأنها فانوس كبير وُضع فى ضلع المولد. ولم يغلق الباب. فالبيوت فى الليالى الماطرة تغلق أبوابها، أما الصيدليات فتفتحها.
وجاء الناس.
أولهم عم جابر، بائع الحمص والحلاوة، رجل فى الستين قصير عريض، وجهه أحمر كجمرة، وشارباه أبيضان مصفران من دخان السجائر، يحمل على كتفه صينية كبيرة من الحلاوة الملونة مغطاة بكيس نايلون، كأنه يحمل طفلاً نائماً. وقد جاء إلى مولد السيد البدوى من دمياط كل سنة منذ أربعين عاماً، ويشترى من الدكتور فهمى كل سنة الشىء نفسه: لاصقات لقدميه المتشققتين، وكريماً لا يستعمله. وقال وهو ينفض الماء عن طاقيته: «السنة دى البدوى زعلان علينا يا دكتور. بس ماشى، يغسل الذنوب.»
ثم امرأة شابة من قرية، فى جلباب أسود ريفى وطرحة مبللة، تحتضن طفلاً فى نحو السنة ملفوفاً فى بطانية صوف بألوان الطاووس، ووجه الطفل أحمر لامع، وأنفاسه قصيرة. قالت إن اسمها هنادى، من قرية فى كفر الشيخ، وإن زوجها ذهب بالأولاد الكبار إلى الخيمة وتاهت منهم فى الزحام، وإن هاتفها فرغ، وإن الولد «سخن نار» منذ العصر.
وخلفها، تلهث، وفى يدها حقيبة إسعاف حمراء، دخلت الدكتورة ريم. وكانت قد رأت المرأة تجرى تحت المطر فتبعتها.
وأراد الدكتور فهمى أن يتولى الأمر، كما يتولاه دائماً. لكن ريم كانت أسرع. أخذت الطفل من حضن أمه بحركة واثقة لا تشبه سرعتها فى الكلام، وفكت عنه البطانية الصوفية الثقيلة، وقالت لأمه بالصوت الذى تكلم به الجدات: «يا حبيبتى، العيل سخن، ما تكتميهوش. خليه يتنفس.» ثم قاست حرارته، ونزعت عنه طبقتين من الملابس، وبللت قطعة شاش بماء فاتر من الزجاجة، وأخذت تمسح بها جبينه ورقبته وتحت ذراعيه. ثم وضعته، وهو يبكى ويرفس، فى كفة الميزان النحاسى الذى على هيئة قارب، وراقبت المؤشر يتأرجح ثم يستقر، وقالت للدكتور: «دوا الحرارة بالوزن مش بالسن يا دكتور، صح؟» وكانت تعرف أنه صح، وكانت تعرف أنه يعرف، لكنها سألت لتجعله شريكاً لا متفرجاً.
ونظر إليها فهمى. ثم ناولها من الرف الشراب المناسب، وكتب على علبته بقلمه، بخط واضح، ما يلزم بحسب الوزن الذى قرأه بنفسه، ثم قال للأم بهدوئه المعروف: «لو الحرارة ما نزلتش، أو العيل بقى مش بيرضع، أو نفَسه اتغير، تروحى بيه المستشفى على طول. والدكتورة دى هتوديكى خيمة الإسعاف لحد ما جوزك يلاقيكى.»
ثم جاء الشيخ عرفة، المداح الذى سكت فى منتصف الكلمة. رجل فى السبعين، طويل نحيل، بعمامة بيضاء ابتلت فصارت رمادية، ولحية قصيرة بيضاء كالقطن المندوف، وصوت ممزق من ثلاث ليال من المديح. وطلب «حاجة للزور» ليكمل الليلة لو توقف المطر، ثم جلس على كرسى الانتظار البلاستيكى، وأسند ظهره إلى رف حليب الأطفال، وأغمض عينيه، وأخذ يدندن بصوته المبحوح كما يدندن الرجل فى بيته.
وهكذا امتلأت الصيدلية فى ليلة ختام المولد، تحت ضوء كشاف واحد، بأناس جمعهم المطر كما تجمع الشبكة سمكاً من أنواع مختلفة: بائع حلاوة، وامرأة من الريف، وطفل محموم، وصيدلانية شابة، ومداح أبح، وسائق توصيل لم ينم منذ يومين. وجلس مصطفى على الدكة الخشبية الطويلة الملاصقة للحائط، دكة الانتظار القديمة، والعلبتان فى جيب سترته البرتقالية، وخوذته على ركبتيه، وعيناه على الباب والمطر.
لوحة خامسة: نائم تحت البالطو
قال عم جابر، وهو يقشر حبة ترمس من جيبه:
«تعرف يا دكتور إن أول سنة جيت فيها المولد كانت سنة ما اتجوزت؟ جبت مراتى معايا، ركبنا القطر من دمياط بالليل، ونمنا فى الخيمة على الرصيف. وهى نامت على كتفى من المنصورة لحد طنطا. أربعين سنة وأنا بفتكر الكتف ده. الكتف اللى حد نام عليه ما بيتنساش.»
وضحكت هنادى ضحكة صغيرة، لأول مرة، وطفلها يهدأ فى حضن ريم.
ثم قالت ريم دون أن ترفع رأسها: «وحضرتك يا دكتور، بتنام إمتى؟»
ورفع الدكتور فهمى رأسه إليها كمن تلقى سؤالاً فى امتحان لم يذاكر له. وقال بنبرة مازحة جافة: «الصيدلى ما بينامش يا دكتورة. الصيدلى بيحط الناس تنام.»
«بس حضرتك عينيك…»
ولم تكمل. فقد التفت الجميع، فى تلك اللحظة، إلى صوت صغير غريب جاء من ناحية الحائط. صوت خوذة تنزلق من على ركبتين، وتقع على البلاط، وتتدحرج نصف دورة ثم تسكن.
كان مصطفى قد نام.
نام جالساً، ظهره إلى الحائط، ورأسه مائل على كتفه، وفمه مفتوح قليلاً كأنه كان يقول شيئاً ثم نسى الكلمة فى منتصفها، كما نسى الشيخ عرفة كلمته حين نزل المطر. ونام نوماً عميقاً، كاملاً، نوم من ظل يقاوم طويلاً ثم انهزم دفعة واحدة، كالسد حين ينهار لا ينهار حجراً حجراً. وكانت يده اليمنى لا تزال على جيب سترته، حيث العلبتان، كأنه يحرسهما وهو نائم.
ونهضت ريم لتوقظه، لأنها سمعته يقول إن أمه تنتظر. لكن الدكتور فهمى رفع يده، وقال بصوت منخفض حاسم لم يسمعوه منه من قبل:
«سيبيه.»
«بس يا دكتور أمه…»
«سيبيه. ربع ساعة. أنا هكلم الجارة.»
وكان مصطفى قد كتب رقم أم هانى على ظهر الوصفة حين قال إنها لا تريده أن يتأخر. فأخذ فهمى الهاتف الأرضى القديم من على المكتب، الهاتف الذى لا يعمل إلا فى الليالى التى تنقطع فيها الشبكات، وطلب الرقم. وردت امرأة نعسانة بصوت مذعور، فطمأنها، وقال إن مصطفى عنده فى الصيدلية، وإن الدواء معه، وإن المطر حبسه، وسألها عن الست عزيزة. فقالت أم هانى إنها نائمة، وإنها كانت قد صحت مرة فشربت ماء ونامت، وإنها هى، أم هانى، قاعدة جنبها، وإن ابنها هانى صاحٍ يذاكر فى الحجرة المجاورة. وقالت فى آخر المكالمة، بنبرة امرأة تفشى سراً: «والنبى يا دكتور خليه ينام شوية. الواد ده بقاله سنة ما نامش ليلة كاملة. بيقعد على الكرسى جنب سريرها لحد الفجر، وبعدين يركب الموتوسيكل. هيموت قبلها.»
ووضع فهمى السماعة ببطء.
ثم فعل شيئاً لم يتوقعه أحد من الحاضرين، ولا هو نفسه. فك أزرار البالطو الأبيض، زراً زراً، من الرقبة إلى الركبة، وخلعه، فظهر تحته قميص رمادى قديم وصدر نحيل لم يره أحد فى هذه الصيدلية منذ ثلاث وعشرين سنة. ومشى إلى الدكة، وانحنى، وفرد البالطو على الشاب النائم، ورفع طرفه حتى غطى كتفيه المبللتين، كما يغطى الأب طفله حين يجده نائماً أمام التلفزيون.
ورفع الشيخ عرفة رأسه، وفتح عينيه، ونظر إلى المشهد طويلاً. ثم قال بصوته المبحوح، كمن يقرأ سطراً من كتاب قديم:
«اللى ساهر على الناس يا دكتور… لازم حد يسهر عليه. وإلا يبقى سهره ده مش لله، يبقى هروب.»
ولم يرد فهمى. رجع إلى كرسيه العالى خلف المكتب، فى قميصه الرمادى، وأحس للمرة الأولى منذ زمن طويل ببرد الليل على ذراعيه.
لوحة سادسة: جرس فى الثالثة
فى الثالثة إلا خمس دقائق عادت الكهرباء. عادت بطقة واحدة، فاشتعلت مصابيح الصيدلية البيضاء كلها فى لحظة، وعاد الصليب الأخضر يرتعش فى الخارج، وعادت ثلاجة الأنسولين تطن، وعاد المداح فى الخيمة المقابلة إلى كلمته التى قطعها المطر من حيث توقف، كأن الليل كان شريطاً أوقفه أحد ثم ضغط الزر. وفى اللحظة نفسها، ودون أن يقصد أحد، رن الجرس الأبيض الصغير بجوار الباب، رنته الحادة الطويلة، لأن الكهرباء حين عادت أيقظت فيه شيئاً.
وقفز مصطفى من نومه كمن لُدغ.
وقف فى منتصف الصيدلية، والبالطو الأبيض يسقط عنه على البلاط، وعيناه تدوران فى المكان دون أن تعرفه. ثم عرفه. ثم نظر إلى الساعة المعلقة فوق الباب، فرأى عقربيها، فشحب وجهه شحوباً لم تفعله به يومان بلا نوم.
«أنا نمت؟ أنا نمت! الساعة تلاتة! أنا سايبها من الساعة عشرة! يا نهار…»
وأخذ يبحث عن خوذته بيدين ترتجفان، ويضرب جيوبه ليتأكد من العلبتين، ويتكلم كلاماً متقطعاً لا يكتمل: «أنا قلت لها مش هتأخر… هى بتصحى الساعة اتنين وتنادينى… لو نادت وما ردتش… أنا مش المفروض أنام… أنا وعدت أبويا قبل ما يمشى…»
وقام الدكتور فهمى. ونزل عن كرسيه. وأمسك الشاب من كتفيه بيديه الاثنتين، وأجلسه على الدكة بقوة لم يعرفوها فيه، وقال:
«أمك نايمة يا مصطفى. أنا كلمت أم هانى. صحيت مرة وشربت مية ونامت. وأم هانى قاعدة جنبها، وهانى صاحى فى الأوضة اللى جنبها. أمك كويسة. إنت اللى مش كويس.»
ونظر إليه مصطفى بعينين لم تصدقا بعد. ثم انكسر شىء فى وجهه، وانحنى إلى الأمام، ووضع وجهه فى كفيه، وبكى بكاء الرجال الذين لم يعتادوا البكاء، بكاء بلا صوت يهز الكتفين كما تهز الريح مشمع الخيام.
وفى الصمت الذى تلا ذلك، والجميع ينظرون إلى الأرض حياءً، سمعوا الدكتور فهمى يتكلم. وكان يتكلم بصوت لم يسمعوه منه، صوت رجل لا يقف خلف مكتب زجاجى، بل يجلس على الدكة إلى جوار الشاب، فى قميصه الرمادى، ويداه بين ركبتيه.
«أبويا كان فلاح فى زفتى يا مصطفى. سنة تلاتة وألفين جه قعد عندى فى طنطا علشان يتعالج. وكان بيصحى بالليل كتير، وأنا كنت تعبان من الصيدلية، كنت ساعتها شغال بالنهار. فاشتريت له من خان الخليلى جرس نحاس صغير، زى بتوع المدارس زمان، وحطيته جنب سريره، وقلت له: يابا، لو عوزت أى حاجة بالليل، رن. هسمعك. وكنت فاكر إنى هسمعه. أنا نومى خفيف، كنت بقول كده.»
وتوقف. وسمعوا فى الخارج قطرات المطر الأخيرة تسقط من الأفاريز على صاج الخيام، طق، طق، طق.
«وفى ليلة نمت. نمت زى ما إنت نمت دلوقتى، نوم واحد ما نامش من يومين. وصحيت الصبح ولقيت الجرس على الأرض جنب السرير، وأبويا… أبويا كان مشى. الدكاترة قالوا جلطة فى النوم، وقالوا مكانش فيه حاجة تتعمل، حتى لو كنت صاحى. قالوها لى عشرين مرة. بس أنا عمرى ما عرفت. عمرى ما عرفت الجرس ده رن ولا ما رنش. وقع لوحده ولا هو رنه وأنا ما سمعتش.»
ورفع رأسه، ونظر إلى زر الجرس الأبيض الصغير المثبت بجوار الباب.
«وبعدها بشهر سبت شغل النهار، وأخدت الليل. وركبت الجرس ده بإيدى. وبقالى تلاتة وعشرين سنة بسمع كل جرس فى طنطا. كل أم وكل عيل وكل راجل عجوز. كل جرس بيرن فى الليل أنا أقوم أفتح. علشان أعوض جرس واحد… يمكن ما رنش أصلاً.»
وساد الصمت. صمت لا يشبه صمت الصيدليات. ووضعت هنادى يدها على فمها، وكف عم جابر عن تقشير الترمس، وكانت عينا ريم مبللتين خلف النظارة ذات الإطار الأحمر. وحده الشيخ عرفة لم يتحرك، كأنه كان يعرف الحكاية من قبل أن تُحكى، أو كأنه سمع حكايات كثيرة تشبهها فى ستين سنة من ليالى الموالد.
وقال الدكتور فهمى، وهو ينظر إلى مصطفى هذه المرة:
«إنت عايز حاجة تصحّيك يا ابنى؟ أنا بقالى تلاتة وعشرين سنة صاحى. والجرس اللى خايف منه عمره ما بطّل يرن فى ودنى.»
لوحة سابعة: حارة خلف السوق
لم يكن الدكتور فهمى قد ترك الصيدلية فى الليل قط. لا فى عيد، ولا فى مرض، ولا فى الليلة التى ولدت فيها ابنته، ولا فى ليلة زفافها حين أوصلها إلى بيت عريسها فى المنصورة وعاد قبل منتصف الليل ليفتح. كان الليل نوبته، والصيدلية حرسه، والجرس أمره.
لكنه قام الآن، ورفع البالطو الأبيض عن البلاط، ونفضه، وعلقه على المسمار خلف المكتب، ولبس مكانه سترة صوف قديمة كان يحتفظ بها لليالى الشتاء. ثم التفت إلى ريم، ونظر إليها طويلاً، كما ينظر رجل إلى مفتاح قديم قبل أن يعطيه لغيره، وقال:
«الصيدلية معاكى يا دكتورة. ساعة. أنا رايح أوصّل الدوا مع مصطفى وأشوف أمه. لو حد رن، افتحى. الأدراج القديمة دى فيها الحاجات اللى ما ينفعش تنقطع. ما تديش منها غير للى جاى ومعاه ورقة نضيفة.»
وفتحت ريم فمها لتقول شيئاً، ثم أغلقته، وأومأت فقط. وكانت فى الإيماءة شجاعة من فهم أن الكلام فى تلك اللحظة قد يفسد شيئاً يُصنع.
وخرج الدكتور فهمى ومصطفى إلى الشارع.
كان المطر قد توقف، وترك وراءه مدينة مغسولة لامعة كوجه طفل خرج لتوه من الحمام. الأسفلت أسود براق تتكسر عليه أضواء الخيام ونيون المحلات خطوطاً طويلة ملونة، كأن أحداً رسم على الأرض بالألوان ثم سكب فوقها الماء. والهواء بارد نظيف، فيه رائحة التراب المبلول والكمون المسكوب من جوال انفتح، ورائحة الحلاوة الذائبة فى المطر، ورائحة البخور التى لا تفارق هذا الميدان أبداً. والمولد يعود إلى الحياة ببطء: المراجيح تُكشف من المشمع الأزرق، والمداحون يجففون الميكروفونات بأطراف عباءاتهم، والأطفال الذين أيقظهم الرعد يركضون فى البرك ويقفزون فيها بأقدام حافية، وأمهاتهم يصرخن فيهم ولا يجرين وراءهم.
ومشى الاثنان إلى جوار الدراجة البخارية الحمراء، يدفعها مصطفى بيديه ولا يركبها، لأن فهمى قال له إنه لن يركبها الليلة. وعبرا الميدان، ومرا تحت المئذنتين الخضراوين، وانعطفا خلف سوق الخضار، فى حارة ضيقة بيوتها من طابقين وثلاثة، أبوابها خشبية، وعلى عتباتها أصص من الصفيح فيها ريحان ونعناع، وفوق رؤوسهما حبال غسيل نسيها أصحابها فابتلت الملابس عليها مرة ثانية. ووقف مصطفى أمام بيت صغير بلون الطوب، وفتح الباب بمفتاح فى سلسلة طويلة، وصعدا سلماً ضيقاً تفوح منه رائحة صابون الغسيل والبصل المقلى.
وفتحت لهما أم هانى، امرأة ضخمة طيبة الوجه فى جلباب منزلى أزرق، وفى يدها مصحف صغير، فلما رأت الدكتور فهمى وراء مصطفى، وقد عرفته من الصيدلية، شهقت ولفت طرحتها كأنها تستقبل وفداً رسمياً.
كانت حجرة الست عزيزة صغيرة، نظيفة نظافة يتعمدها أحد، فيها سرير حديدى تحته سجادة صغيرة، وعلى الحائط صورة قديمة لرجل بشارب كثيف وبدلة، وعلى الكومودينو كوب ماء مغطى بطبق صغير، وعلبة الدواء الفارغة، ونظارة نسائية مطوية. والست عزيزة نائمة على جنبها، امرأة فى الستين، نحيلة، نصف وجهها مائل قليلاً بأثر الجلطة، لكن أنفاسها منتظمة هادئة، وعلى شفتيها ما يشبه الابتسامة، ابتسامة من يحلم بشىء لا يحكيه.
وإلى جوار السرير، ملاصقاً له، كرسى خشبى بمسند مستقيم، عليه مخدة صغيرة مبططة من كثرة الجلوس، وبطانية مطوية، وهاتف شاحن موصول بالحائط. كرسى رجل لا ينام.
ونظر الدكتور فهمى إلى الكرسى طويلاً.
ولم يكن ينظر إلى كرسى مصطفى. كان ينظر إلى كرسيه هو. إلى الكرسى العالى بلا مسند خلف المكتب الزجاجى، الذى جلس عليه ثلاثاً وعشرين سنة، كل ليلة، بجوار سرير طويل اسمه طنطا، يحرس أباً لم يعد هناك.
لوحة ثامنة: ما يوضع بجوار السرير
وضع مصطفى العلبتين على الكومودينو بجوار الكوب، برفق، كأنه يضع شيئاً حياً. ثم وقف، لا يعرف ماذا يفعل بيديه.
وأخرج الدكتور فهمى من جيب سترته الصوفية شيئاً صغيراً ملفوفاً فى منديل قماشى. وكان قد أخرجه من الدرج الأخير فى مكتب الصيدلية، قبل أن يخرج، دون أن يراه أحد، حتى ريم. وفك المنديل، فظهر جرس نحاسى صغير، من أجراس المدارس القديمة، بمقبض خشبى أسود، قد اخضرت حافته قليلاً من الزمن، وفى جسمه انبعاج صغير من الناحية التى سقط عليها على بلاط حجرة فى طنطا، ذات صباح، منذ ثلاث وعشرين سنة.
ثلاث وعشرون سنة والجرس فى الدرج الأخير، تحت دفاتر الحسابات القديمة. لم يرنه فهمى مرة واحدة. كان يخاف من صوته. يخاف أن يسمع الآن الرنة التى لم يسمعها حينها، فيعرف أنها كانت تُسمع.
ووضعه على الكومودينو، بجوار علبتى الدواء والنظارة النسائية المطوية.
وقال لمصطفى بصوت خفيض، لا ليوقظ الأم بل لأنه لم يكن يملك صوتاً آخر:
«ده يفضل هنا. لو احتاجتك بالليل ترنه. وأم هانى اللى هى صاحية دلوقتى، وهانى اللى بيذاكر، يقعدوا جنبها ليلة وإنت ليلة. والليلة اللى إنت فيها، تنام على السرير التانى ده، مش على الكرسى. وتنام نوم بجد. الجرس ده يصحّى الميت يا مصطفى.»
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة لم يرها أحد على وجهه منذ زمن، وأضاف:
«أنا عمرى ما عرفت هو بيرن إزاى. حد يجربه.»
ونظر مصطفى إلى الجرس، ثم إلى الدكتور، ثم إلى أمه النائمة. ومد يده إلى المقبض الخشبى، وتردد، ثم هزه هزة واحدة خفيفة.
فرن الجرس.
رنة نحاسية صافية، رقيقة، أعلى مما توقع الثلاثة، ملأت الحجرة الصغيرة، وخرجت إلى الصالة، وربما إلى الحارة، ثم أخذت تتلاشى ببطء، كدائرة فى ماء.
وفتحت الست عزيزة عينيها.
نظرت إلى الحجرة بعينين نصف نائمتين، إلى ابنها الواقف، إلى الرجل الغريب فى السترة الصوفية، إلى أم هانى فى الباب بمصحفها، ثم ابتسمت ابتسامتها المائلة، وقالت بصوت ثقيل حلو، صوت امرأة أيقظها شىء لطيف:
«جيت يا مصطفى؟ اتأخرت يا حبيبى. أنا كنت نايمة. نمت حلو أوى النهارده.» ثم نظرت إلى الجرس وقالت: «إيه ده؟ حلو. بيرن زى جرس المدرسة.»
وأغمضت عينيها مرة أخرى، ونامت.
ووقف الدكتور فهمى الزفتاوى فى الحجرة الصغيرة، فى الحارة خلف السوق، فى الرابعة فجراً من ليلة ختام المولد، وسمع الرنة لا تزال تتردد فى أذنه، لا كما تردد صوت الجرس فى رأسه ثلاثاً وعشرين سنة، حاداً كإنذار، بل رقيقاً كاسم يناديه أحد يحبه. وعرف شيئاً لم يعرفه من قبل، شيئاً بسيطاً كقرص من شريط: أن صوت الجرس يُسمع. أنه كان يُسمع دائماً. وأن أباه، لو كان رنه تلك الليلة، لسمعه هو. وأنه لم يسمعه، لأنه لم يُرَن. وأن الرجل العجوز مضى فى نومه، هادئاً، كما قال الأطباء عشرين مرة، ولم يحتج إلى أحد.
ولم يبك. لكنه جلس على الكرسى الخشبى ذى المسند المستقيم، كرسى مصطفى، لحظة واحدة، كأنه يجلس على كرسيه هو للمرة الأخيرة، ثم قام.
لوحة تاسعة: ستارة فى الصباح
عاد إلى الصيدلية مع أذان الفجر.
كان الأذان ينزل من المئذنتين الخضراوين على الميدان المغسول، طويلاً، بطيئاً، يتسع فى الهواء البارد كأنه يملأ المكان الذى تركه المطر. والمولد ينام أخيراً. الخيام مغلقة، والمراجيح ساكنة تحت المشمع، وعمال النظافة يجمعون الورق المبلل وأكواب الشاى البلاستيكية وأعواد قصب السكر المقضومة فى أكوام صغيرة، والحمام ينزل من أفاريز المسجد يلتقط حبات الحمص التى سقطت من صينية ما. وفى ركن من أركان الميدان كان عم جابر نائماً فى خيمته، وصينية الحلاوة إلى جواره مغطاة بالنايلون كطفل.
ووجد الدكتور فهمى الصيدلية مضاءة، والباب الزجاجى مغلقاً، والشباك الحديدى الصغير مفتوحاً، ووراءه وجه ريم، بالنظارة ذات الإطار الأحمر. وكانت قد لبست البالطو الأبيض الذى تركه على المسمار، واسعاً عليها، طويلاً حتى الكاحلين، وثنت كميه مرتين حتى ظهرت يداها.
وأعطته، قبل أن يسأل، ورقة من كراسة مكتوباً عليها بخط سريع: «٣:٢٠ ست كبيرة، كحة، أعطيتها شراب بالوصفة. ٣:٤٥ زوج هنادى جه أخدها من الخيمة، العيل حرارته نزلت والحمد لله. ٤:١٠ راجل عايز حاجة تصحّيه للسواقة، رفضت، ادتله شاى. ٤:٣٠ الشيخ عرفة رجع يكمل المديح. ٥:٠٠ مفيش حد.» وتحت السطر الأخير، بخط أصغر: «الجرس رن أربع مرات. فتحت فى الأربعة.»
وقرأ فهمى الورقة مرتين. ثم طواها، ووضعها فى جيبه، وقال دون أن ينظر إليها:
«من السبت، الليل ليكى يا دكتورة. أربع ليالى فى الأسبوع. وأنا تلاتة.» ثم أضاف، وهو يدير ظهره كما أداره لها فى المرة الثالثة: «والبالطو ده كبير عليكى. هاتى واحد على مقاسك.»
وسمعها تضحك ضحكة صغيرة مكتومة خلف الشباك الحديدى، ولم يلتفت.
ومشى إلى البيت. مشى فى شارع البحر والشمس لم تطلع بعد، لكن السماء فوق أسطح طنطا كانت قد صارت بلون الحليب المخفف، والشارع ساكن إلا من بائع فول يدفع عربته ببطء، وقطة تشرب من بركة، وأوراق شجر سقطت فى المطر ولصقت بالأسفلت كطوابع على مظروف. وكان جسده كله ثقيلاً ثقلاً لم يعرفه منذ زمن بعيد. لا ثقل التعب الذى يعرفه كل صباح، بل ثقل آخر، ناعم، يشبه الماء الدافئ، يصعد من قدميه إلى ركبتيه إلى صدره، ويضغط على جفنيه ضغطاً لطيفاً كيد أم.
وفتحت له زينب الباب قبل أن يدير المفتاح.
كانت قد صحت للفجر كعادتها، امرأة فى الثالثة والخمسين، ممتلئة قليلاً، فى جلباب منزلى بنفسجى وطرحة بيضاء من القطن، وفى يدها سجادة الصلاة مطوية. ونظرت إليه، إلى السترة الصوفية بدل البالطو، إلى الطين على حذائه، إلى وجهه. وكانت تعرف وجهه فى كل صباح من صباحات ثلاث وعشرين سنة، وجه رجل خارج من حرب صغيرة. لكن الوجه هذا الصباح كان شيئاً آخر.
قالت: «مالك يا فهمى؟»
قال: «عايز أنام يا زينب.»
ولم يقل غير ذلك. ولم تسأله غير ذلك. فقد عاشت معه عمراً يكفى لتعرف أن الكلمات الكبيرة لا تأتى دائماً فى جمل كبيرة، وأن رجلاً سهر ثلاثاً وعشرين سنة، حين يقول «عايز أنام»، لا يتكلم عن النوم.
دخل حجرة النوم. ووجد السرير كما هو كل صباح: نصفه مرتب، ونصفه الآخر، نصفها هى، دافئ لا يزال من نومها. وخلع حذاءه، واستلقى على النصف المرتب، وأحس بالمخدة تحت رأسه كأنه يلمسها لأول مرة.
ورأى زينب تمشى إلى النافذة. وكان الضوء الأول قد بدأ يدخل من بين الشيش، رمادياً ذهبياً، يمد على أرض الحجرة خطوطاً رفيعة كأوتار عود. فأغلقت الشيش، ثم أسدلت الستارة الثقيلة، الستارة الكحلية التى لم تُسدل فى النهار منذ زمن طويل، فغرقت الحجرة فى عتمة رقيقة، عتمة صنعتها له بيديها، فى الصباح، كأنها تعطيه الليلة التى أخذها منه الليل ثلاثاً وعشرين سنة.
ثم جلست على طرف السرير، فى الضوء الخافت الذى يتسرب من حافة الستارة، وفتحت سجادتها، ولم تصل بعد. ظلت جالسة تنظر إليه.
وكانت أنفاسه قد انتظمت.
وفى تلك الساعة نفسها، على بعد شارعين، فى ناصية لا يعرف أهل طنطا اسمها الرسمى، رن الجرس الأبيض الصغير بجوار باب صيدلية السلامة، وانفتح الشباك الحديدى، وأطل منه وجه شابة بنظارة حمراء، تسأل بصوت سريع: «أيوه يا حاج، عايز إيه؟»
أما الدكتور فهمى الزفتاوى، فلم يسمعه. كان نائماً نوم رجل يعرف، للمرة الأولى منذ زمن بعيد، أن أحداً غيره سيسمع الجرس.
قصة من تأليفنا: أحداثها وشخصياتها من وحى الخيال.



