السبت، 31 أكتوبر 2026 19 جمادى الأولى 1448 هـ | 22 بابة 1743 ش | السنة المصرية 6267
القاهرة، 20°م دولار 56.03 | يورو 62.56
عاجل
إحدى أنشطة المجلس الوطني للتنمية والتدريب
أخبار · رأي · تحليل
"رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة."
— لاو تزو
رئيس مجلس الإدارة
رفيق سامي
المدير التنفيذي للموقع
وجيه نزيه
أدب وقصص

حلاق الدرب الأحمر

أكتوبر 21, 2026

لوحة أولى: مرآة مشروخة الركن

فى عطفة ضيقة تتفرع من شارع الدرب الأحمر كما يتفرع عرق صغير من شريان قديم، لا يزيد عرضها على ذراعين ونصف، ولا يدخلها التوك توك إلا إذا طوى سائقه مرآتيه وحبس أنفاسه، كان صالون الأسطى رمضان الدرديرى يشغل حيزاً لا يتسع لأكثر من رجلين وظل ثالث. باب خشبى بضلفتين، مطلى بأخضر صار مع السنين بلون الطحلب، وفوقه لافتة من الصاج كتب عليها خطاط من أيام زمان: «صالون الأمانة – حلاقة وتزيين»، وقد سقطت النقطتان من التاء المربوطة فصارت «الأمانه»، ولم يرَ رمضان فى ذلك ما يستحق الإصلاح، فالأمانة، كما كان يقول، لا تنقص بنقص نقطتين.

وفى مواجهة الصالون، على الجانب الآخر من العطفة، كانت تقوم واجهة سبيل مملوكى قديم، من حجر أبلق تتناوب فيه المداميك الحمراء والبيضاء كصفحات كتاب مفتوح، تعلوه مشربية من خشب الخرط اسودت وانبعجت قليلاً كأنها تميل لتسمع ما يقال فى الصالون، وفوق بابه المسدود عقد من المقرنصات تتدلى حجارته كخلايا نحل تحجرت. ولم يكن السبيل يسقى أحداً منذ قرن، لكن الحمام كان يشرب من بقايا المطر فى حوضه الرخامى المكسور، وكان رمضان يرى فى ذلك عدلاً من نوع ما: أن يظل الحجر يؤدى وظيفته ولو للحمام.

وكانت العطفة كلها تعيش على مقربة من حواسه. من أولها، حيث تلتقى بالشارع الكبير، تأتى رائحة دكان المعلم شوقى العطار: كمون وكزبرة وقرفة وكركديه مجفف وشمر وحبهان، تختلط وتتراكب حتى تصير رائحة واحدة لا اسم لها إلا اسم الحى. ومن آخرها، حيث الورش الصغيرة، يأتى دق النحاس، طق، طق، طق، منتظماً كنبض قلب كبير. ومن فوق ذلك كله، خمس مرات فى اليوم، ينزل الأذان من مئذنتى باب زويلة ومن مآذن أخرى قريبة وبعيدة، يتلاحق ويتداخل كأن المآذن تتحاور فيما بينها حواراً قديماً لم تتفق فيه بعد على كلمة أخيرة.

وفى الداخل كرسى واحد. كرسى حلاقة من الحديد المطلى بالكروم، تآكل طلاؤه عند المسندين حتى ظهر الحديد الأسود من كثرة ما استندت إليه أذرع الرجال، وجلده الأحمر مرقّع بقطعة بنية لا تشبهه، ورافعته تئن حين يدوسها أنيناً طويلاً كعجوز يقوم من نومه. وأمام الكرسى رف رخامى عليه أدوات المهنة مرصوصة بنظام لم يتغير منذ أربعين عاماً: ثلاثة أمواس بمقابض من العظم، ومشط من قرن الجاموس، ومقص ورثه عن معلمه، وفرشاة حلاقة صلعت فى وسطها كرأس صاحبها الأول، وطاسة نحاسية للرغوة، وحجر الشبة، وزجاجة كولونيا بالليمون لا يُعرف متى فُتحت لأول مرة. وعلى المسمار المجاور يتدلى القايش الجلدى الذى يُسن عليه الموس، أملس لامعاً كظهر سمكة.

وفوق الرف كله، المرآة.

مرآة عريضة فى إطار خشبى محفور، أصابها الزمن بما يصيب المرايا القديمة: نقط سوداء صغيرة تحت الزجاج حيث أكلت الرطوبة الفضة، وغبشة عند الأطراف لا يزيلها المسح. وفى ركنها الأيسر الأعلى شرخ يبدأ من الإطار ويمتد نحو الوسط مسافة شبر، ثم يتفرع فرعين صغيرين كغصن شجرة فى الشتاء. ولم يغير رمضان المرآة قط. وكان الزبائن إذا سألوه عن الشرخ قال إنه من قديم، ثم غيّر الحديث. ولم يكن يذكر لأحد أنه ضرب المرآة بقبضته فى ليلة بعيدة، وأن الندبة البيضاء الصغيرة على مفصل إصبعه الأوسط هى نصيبه من تلك الليلة، وأن المرآة احتفظت بنصيبها.

أما رمضان نفسه فكان رجلاً فى الحادية والسبعين، طويلاً منحنى الظهر انحناء من قضى عمره يميل على رؤوس الآخرين، نحيلاً نحول الأمواس التى يسنها، كثيف الشعر أبيضه، وفى قمة رأسه دوامتان لا دوامة واحدة كسائر الناس، تجعلان خصلة منه تقف دائماً كأنها تعترض على شىء. وكانت أمه، الست نفيسة، تبلل كفها وهو صغير وتحاول أن تنيم تلك الخصلة فلا تنام، وتقول: «طالع بدوامتين، عنيد زى…» ثم تسكت، وتكمل التمشيط، ولا تكمل الجملة.

وكان يوم الخميس فى هذا الصالون غير سائر الأيام. ففى الرابعة تماماً، بعد العصر بقليل، حين يكون ظل المشربية قد زحف على العطفة حتى بلغ العتبة، كان الجرس النحاسى الصغير المعلق فوق الباب يرن رنته القصيرة، ويدخل الحاج أمين.

لوحة ثانية: طقس الخميس

أربعون عاماً والحاج أمين يدخل فى الموعد نفسه، كأن بينه وبين ظل المشربية اتفاقاً.

كان فى أول عهد رمضان به فى نحو الخمسين، وصار الآن فى التسعين أو حولها، ولم يتغير فيه على طول السنين إلا ما يغيره الزمن فى كل شىء: انحنى قليلاً، وابيض شاربه كله، وصار يتوكأ على عصا من خشب الزان لها مقبض نحاسى محفور بزخارف دقيقة. أما الباقى فثابت ثبات السبيل المقابل: الجلباب الرمادى، صوفاً فى الشتاء وكتاناً فى الصيف، والطاقية البيضاء المشغولة بالإبرة، ورائحة خفيفة من الصابون النابلسى ومن معدن لم يعرف رمضان اسمه، وصوت خفيض لا يعلو أبداً، صوت من تعود أن يقول القليل ويعنيه.

وكان للخميس طقس لا يتبدل. يقول الحاج من العتبة: «السلام عليكم يا أسطى»، فيرد رمضان: «وعليكم السلام، اتفضل يا حاج، الكرسى كرسيك». ويعلق الحاج عصاه على مسمار مدقوق فى الحائط بجوار الباب، مسمار لم يعلق عليه أحد غيره شيئاً منذ أربعين عاماً، ثم يجلس. ويضع رمضان الفوطة البيضاء على كتفيه، ويثبتها عند الرقبة بمشبك، ويبدأ بالشعر: خفيف من الجنبين، والقفا مدرج، والقمة تُترك كما هى، فى قمتها دوامتان يعرف رمضان موضعهما بأطراف أصابعه لو أغمض عينيه. ثم يميل بالكرسى إلى الوراء فيئن أنينه الطويل، ويضع على وجه الحاج فوطة مبللة بالماء الساخن من الكنكة الكبيرة التى على الوابور، ويتركها دقيقتين كاملتين يعدهما بقلبه لا بالساعة. ثم الرغوة فى الطاسة النحاسية، يقلبها بالفرشاة حتى تصير كالقشدة، ثم الموس على القايش، خمس مرات من هنا وخمس من هناك، ثم الحلاقة الأولى مع اتجاه الشعر والثانية ضده، ثم حجر الشبة يمر على الجلد فيلسعه لسعة رقيقة، ثم الكولونيا فى كفه، تُصفق على الخدين صفقتين خفيفتين كتحية.

ولم يكن الحاج يتكلم كثيراً فى أثناء ذلك. كان يغمض عينيه تحت الفوطة الساخنة، ويفتحهما حين يبدأ الموس، فيلتقى نظره بنظر رمضان فى المرآة. وكانت زاوية الكرسى، منذ أربعين عاماً، تجعل عينى الحاج تقعان بالضبط فى الركن المشروخ، فيبدو وجهه كأنه ينظر من خلف غصن الشتاء. واعتاد رمضان ذلك حتى صار الشرخ جزءاً من الوجه: عينان رماديتان تميلان إلى البنى، فى جفنيهما ثقل خفيف، تنظران إليه من بين الفرعين نظرة لم يعرف لها وصفاً قط، فيها انتباه شديد، وفيها شىء آخر يشبه الاعتذار.

كانا يتحدثان عن الجو، وعن غلاء الأسعار، وعن مباراة الأحد، وعن البيت الذى سقط فى الحارة المجاورة، وعن الحمام الذى يشرب من حوض السبيل. وكان الحاج يسأل أحياناً أسئلة لا يسألها زبون، يلقيها بخفة كأنه يسأل عن الوقت: «والست الوالدة، الله يرحمها، كانت بتحب إيه من الأكل؟» أو: «كنت بتخاف من إيه وإنت صغير يا أسطى؟» ورمضان يجيب ويضحك ولا يتوقف عند السؤال. فالحلاق، كما علمه معلمه الأسطى خليل، يسمع أكثر مما يسأل، ومن يجلس على الكرسى يملك أن يقول ما يشاء.

وكانت هناك أشياء صغيرة أخرى تراكمت عبر السنين حتى صارت من طبيعة الأشياء فلم يعد يراها. أن الحاج كان يأتى فى ذكرى وفاة أم رمضان، فى طوبة من كل عام، ومعه كيس من القرص بالعجوة، يضعه على الرف ويقول: «رحمة ونور على روح الست الوالدة»، دون أن يسأله أحد كيف عرف اليوم. وأنه كان يدفع دائماً ورقة جديدة لامعة كأنها خرجت من البنك لتوها، ويرفض الباقى بحركة من يده. وأنه أهدى الصالون منذ ثلاثين عاماً صينية نحاسية حُفر فى قلبها بخط الثلث: «الصبر مفتاح الفرج»، قال إنه وجدها عند صاحب له فى ورش النحاس فاشتراها، وهى معلقة الآن فوق كرسى الانتظار الخشبى، تلمع حين يقع عليها ضوء العصر.

ولم يسأل رمضان قط: أين تسكن يا حاج؟ ماذا كنت تعمل؟ هل لك أولاد؟ كان السؤال يبدو له بعد السنة الأولى متأخراً، وبعد العاشرة وقحاً، وبعد العشرين مستحيلاً. فهناك علاقات يفسدها الكلام كما يفسد الفضول عجيناً كُشف عنه قبل أن يختمر، وكان بينهما شىء يختمر منذ أربعين عاماً، ولم يجرؤ أحدهما على رفع الغطاء.

لوحة ثالثة: الكرسى الفارغ

وفى خميس من أواخر أكتوبر، والهواء قد بدأ يرق ويبرد عند المغرب، أعد رمضان كل شىء كما يعده كل أسبوع. ملأ الكنكة ووضعها على الوابور، وطوى الفوطة البيضاء على مسند الكرسى، وسن الموس على القايش، ومسح المرآة بورقة جريدة مبللة بالخل حتى لمع الشرخ نفسه، ورش الماء أمام العتبة ليهبط الغبار. ثم جلس على كرسى الانتظار تحت الصينية النحاسية، وانتظر الظل.

وزحف ظل المشربية على العطفة كما يزحف كل يوم، وبلغ العتبة، وتجاوزها، ودخل الصالون وصعد على قاعدة الكرسى المعدنية، ولم يرن الجرس.

قال رمضان لنفسه إن الحاج تأخر. وكان فى ذلك من الغرابة ما يكفى ليقلقه، فالحاج لم يتأخر فى أربعين عاماً إلا مرتين: مرة يوم الزلزال الكبير، حين جاء بعد ساعة وثيابه مغبرة وقال إن البيت الذى يسكنه تشقق، ومرة يوم نزل مطر غزير حوّل العطفة إلى نهر صغير، فجاء بعد نصف ساعة رافعاً جلبابه إلى ركبتيه وحذاؤه فى يده، وضحكا يومها حتى دمعت أعينهما. وفيما عدا ذلك كان الجرس يرن فى الرابعة كأنه مربوط بالأذان.

وغلى الماء فى الكنكة، فأطفأ الوابور، ثم أشعله حين برد الماء، ثم أطفأه. ومر عبده، صبى القهوة، يحمل صينية عليها أكواب الشاى، فوقف عند الباب وأطل برأسه الصغير المحلوق، وقال:

«الحاج أمين لسه ماجاش يا عم رمضان؟»

«لسه يا عبده.»

«غريبة. ده إنت بتظبط الساعة عليه.»

وضحك الصبى ومضى، ولم يضحك رمضان. كانت الكلمة قد أصابت فيه شيئاً لم يكن يعرف أنه موجود. فقد كان فعلاً يضبط الساعة عليه. لا الساعة المعلقة على الحائط، التى توقفت منذ سنين عند التاسعة وعشر دقائق ولم يصلحها، بل الساعة الأخرى، تلك التى فى داخله، والتى تقسم الأسبوع إلى ستة أيام انتظار ويوم واحد يحدث فيه شىء.

ونزل أذان المغرب من باب زويلة طويلاً، يرتعش فى الهواء البارد. وأشعل رمضان اللمبة الصفراء المتدلية من السقف بسلك ملتو، فظهر الكرسى الفارغ فى المرآة أوضح مما ينبغى، بجلده الأحمر المرقع وفوطته المطوية، وفى الركن المشروخ، حيث ينبغى أن تكون العينان، لا شىء. حائط أبيض مقشور فقط، وطرف المسمار الذى لا عصا عليه.

ولم يغلق. جلس حتى العشاء، ثم بعد العشاء، والعطفة تخلو تدريجياً من أصواتها: يسكت النحاس أولاً، ثم يُنزل شوقى العطار ستارة دكانه الحديدية بصوت كرعد صغير، ثم ينطفئ راديو القهوة، ثم لا يبقى إلا قط يتشمم بقايا السمك عند الزاوية، وماء يقطر من مكان لا يُرى.

وفى تلك الساعة، وحده تحت اللمبة الصفراء، أدرك الأسطى رمضان الدرديرى، لأول مرة، حجم ما لا يعرفه. لا يعرف اسم الرجل كاملاً، ولا أين يسكن، ولا فى أى حارة، ولا إن كانت له زوجة أو ولد أو حفيد يمكن أن يُسأل. لا يعرف له رقم تليفون، فالحاج لم يحمل تليفوناً قط، ورمضان نفسه لا يملك إلا جهازاً قديماً بأزرار لا يرن إلا مرة فى الشهر. أربعون عاماً، ألفان وثمانون خميساً تقريباً، وهو يمر بالموس على وجه هذا الرجل ويعرف كل شعرة فيه، كل خال، كل تجعيدة، الندبة الصغيرة تحت الذقن، ولا يعرف عنه شيئاً.

ثم أدرك ما هو أقسى: أنه لو مات الحاج أمين، فلن يأتى أحد ليخبره. فمن يخبر الحلاق؟ الحلاق ليس من الأهل ولا من الجيران ولا من زملاء العمل. الحلاق رجل يمسك رأسك بين يديه كل أسبوع، ويرى من وجهك ما لا تراه زوجتك، ويعرف متى نمت جيداً ومتى سهرت تفكر، ثم يُنسى كما تُنسى المرآة حين ينطفئ النور.

ومر يوم الجمعة ثقيلاً. سمع الخطبة من الزاوية التى فى آخر العطفة، وصلى، ورجع، وجلس. وكان يقول لنفسه كل ساعة إن الرجل ربما سافر إلى أقاربه، وربما أصابه برد، وإن الخميس القادم سيأتى ومعه الجرس. ولم يصدق نفسه مرة واحدة.

لوحة رابعة: العتبة

فى صباح السبت، قبل أن يفتح شوقى العطار دكانه، وقف رمضان على عتبة الصالون، والمفتاح الحديدى الكبير فى يده، ونظر إلى أول العطفة كما ينظر رجل إلى شاطئ بحر لم ينزله منذ زمن.

ثمانية وثلاثون عاماً لم يتجاوز فيها الأسطى رمضان مدخل العطفة. لم يقرر ذلك قراراً، ولم يقسم عليه، لكن الأيام قررته عنه كما تقرر المياه مجراها. فبعد أن ماتت سعاد، زوجته التى لم يتم معها سنتين، وهى تضع ولدهما الأول، ودُفن الولد معها فى القبر نفسه قبل أن يُسمى، وكان رمضان قد اختار له اسم سليمان على اسم أبيه الذى قالت أمه إنه غرق فى النيل حين كان هو فى الثانية؛ بعد ذلك صار الشارع الكبير طريق الجنازة، وصار كل ما وراء العطفة يذكره بالنعش يتمايل فوق الأكتاف. فأغلق الصالون أربعين يوماً، ثم فتحه، ثم صار يكتفى بالعطفة: صبى القهوة يجلب له الطعام من الفوال، وصبى الفرن يترك له العيش على العتبة، والزاوية فى آخر الحارة تكفيه للصلاة، والزبائن يأتون إليه ولا يذهب إليهم. وصارت العطفة عالمه، بطولها الذى لا يزيد على مائة خطوة، وسمائها الضيقة التى لا تتسع إلا لشريط من الزرقة وأسراب الحمام.

ثم أغلق الباب، وأدار المفتاح، ومشى.

كانت الخطوات الأولى عادية، فهذه أرض يعرفها. ثم بلغ دكان شوقى العطار عند مدخل العطفة، وكان شوقى، وهو رجل فى الستين، أحمر الوجه، عريض الكفين، يرفع ستارته الحديدية لتوه ويرص أجولة التوابل المفتوحة أمام الدكان: الكمون كتلال صغيرة من الذهب الكالح، والكركديه كجمر انطفأ، والقرفة أعواداً ملفوفة كالرقائق القديمة. فلما رأى رمضان خارج صالونه، فى هذه الساعة، بالجلباب والسترة وفى يده المفتاح، توقف والجوال فى يده كأنه رأى السبيل المملوكى يمشى.

«يا ساتر! الأسطى رمضان برّه؟ خير يا أسطى؟»

«خير إن شاء الله يا معلم. الحاج أمين ما جاش الخميس.»

وتغير وجه شوقى تغيراً لم يفهمه رمضان. وضع الجوال على الأرض، ومسح يديه فى مريلته، وقال بعد صمت قصير:

«ما جاش؟ ده عمره ما غاب.»

«عشان كده.»

«طب… طب استنى.» ودخل الدكان، وعاد بكيس ورقى صغير، فيه ينسون ونعناع مجفف، من الكيس نفسه الذى يجده رمضان على عتبته أول كل شهر منذ زمن لا يذكره، ويظنه هدية من شوقى لجار قديم، ويشربه كل ليلة قبل النوم. ووضعه فى يده وقال:

«ده بتاع الشهر ده. كان المفروض الحاج يجيبه لى الخميس ويحاسبنى عليه.»

ونظر رمضان إلى الكيس، ثم إلى شوقى.

«يحاسبك؟»

وأدرك شوقى أنه قال ما لا ينبغى أن يُقال، فارتبك ارتباك رجل كبير لا يجيد الكذب، وحك رقبته، وقال وهو ينظر إلى أجولته:

«يا أسطى، الحاج كان بيدفع تمنه من خمسة وعشرين سنة. قال لى ابعته باسمك، وما تقولش. أنا قلت أكيد قريبك ولا حاجة. وبعدين…» وتردد، ثم قال: «وبعدين إحنا كلنا كنا بنحلق عندك علشان هو قال لنا.»

«قال لكم إيه؟»

«من زمان، من أيام ما المرحومة مراتك ماتت وإنت قفلت المحل وفتحت ومحدش بقى بيدخل لك. الناس كانت راحت للصالونات الجديدة اللى فى الشارع الكبير، أبو مراية لحد السقف. الحاج لف على المحلات واحد واحد. قال: الراجل ده لو قفل هيموت. احلقوا عنده. أبويا الله يرحمه رجع لك. والمعلم متولى رجع لك. وأنا كنت لسه شاب، ورحت أول مرة علشان الحاج كان دافع لى الحلاقة.»

ووقف رمضان فى مدخل العطفة، والكيس الورقى فى يده يفوح منه الينسون، والشارع الكبير يتدفق أمامه بتوك توك ودراجات وعربة كارو محملة بأنابيب الغاز. وتذكر الأسابيع الأولى بعد الأربعين، حين جلس فى الصالون الفارغ أياماً لا يدخله أحد، ثم جاء الحاج أمين ذات خميس، غريباً لم يره من قبل، وجلس على الكرسى وقال: «حلاقة ودقن يا أسطى». ثم بدأ الآخرون يعودون واحداً بعد واحد، فظن رمضان أن الناس رحماء، وأن الحى لا ينسى أبناءه، ولم يخطر له أن للرحمة أحياناً عنواناً واحداً.

قال بصوت خفيض:

«وهو ساكن فين يا شوقى؟»

«والله ما أعرف. اسأل المعلم متولى. هو اللى يعرف الحاج من أول.»

لوحة خامسة: دق النحاس

كانت ورشة الحاج متولى النحاس فى آخر الطريق إلى باب زويلة، لا فى العطفة نفسها، فى حارة جانبية تحتشد فيها الورش كخلايا متلاصقة، يخرج منها الدق من كل باب، طق، طق، طق، بإيقاعات مختلفة تتقاطع وتتلاقى كأنها فرقة لا تعزف لحناً واحداً لكنها لا تخرج عن المقام. ومشى رمضان إليها والشارع يتغير تحت قدميه كل عشر خطوات. هنا دكان كان فيه مكوجى فصار يبيع أغطية الهواتف الملونة. وهنا، على ناصية لم يعرفها، صالون حلاقة جديد بواجهة زجاجية ولافتة مضيئة بحروف إنجليزية، وفى داخله شابان يحلقان لشابين، وكلهم ينظرون فى الهواتف، الحلاق والمحلوق، كأن الرأس الذى بين اليدين لا يستحق النظر. ووقف رمضان أمام الزجاج لحظة، ورأى فيه رجلاً عجوزاً منحنى الظهر بخصلة بيضاء واقفة، ولم يعرفه فى اللحظة الأولى.

ومر فى طريقه على واجهة جامع مملوكى عظيم، بحجره الأبلق ونوافذه المغشاة بالجص المعشق وشرفات سطحه المسننة كتاج، وبابه المرتفع الذى يعلوه عقد من المقرنصات المتدلية كعناقيد عنب من حجر. وكان قد صلى فيه مع أمه وهو صغير، وتذكر الآن، فجأة وبلا مناسبة، يدها الخشنة تمسك يده وهما يعبران الصحن، والنافورة فى الوسط، وأنه سألها يومها لماذا لا يأتى أبوه معهما، فقالت إن أباه فى مكان أحلى من الجامع، ولم يسأل بعدها.

وكان الحاج متولى جالساً فى مدخل ورشته على كرسى خشبى واطئ، رجلاً فى الثامنة والثمانين، صغير الجسم كأن النحاس امتص منه الحجم وترك له الصلابة، وعلى ركبتيه صينية كبيرة يحفر حافتها بأزميل دقيق ومطرقة صغيرة، دقات قصيرة متتابعة تخرج منها الزخارف كأنها كانت مختبئة فى المعدن تنتظر. وخلفه فى عتمة الورشة صبيان يطرقان قدراً كبيرة، وعلى الجدران أطباق وأباريق وفوانيس معلقة تلمع لمعاناً خافتاً كوجوه فى الظلام.

رفع متولى عينيه، فرأى رمضان، فتوقفت المطرقة فى الهواء. ثم وضعها على الصينية ببطء، كمن يضع شيئاً ثقيلاً، وقال:

«جيت يا رمضان.»

لم يقل: خير، ولا: يا ساتر، ولا: إيه اللى جابك. قال: جيت، كأنه كان ينتظره، لا من الصباح بل من سنين.

وجلس رمضان على صندوق خشبى قدمه له أحد الصبيين، وقال كل شىء دفعة واحدة: الخميس، والكرسى الفارغ، والينسون، وما قاله شوقى. وكان متولى يسمع ورأسه مائل، ويداه على الصينية، وأصابعه تتحسس الزخارف التى حفرها كما يتحسس الأعمى وجهاً يحبه.

ثم قال:

«الصينية اللى عندك فى المحل. الصبر مفتاح الفرج. عارف مين اللى حفرها؟»

«الحاج قال اشتراها من صاحب له.»

«هو اللى حفرها. بإيده. قعد عليها شهر، هنا، على الكرسى ده. كان نقاش نحاس يا رمضان، أحسن من أبويا وأحسن منى. خمسين سنة شغال معايا، من يوم ما رجع.»

«رجع من فين؟»

ولم يجب متولى. نظر إلى الشارع، إلى الصبى الذى يمر بعربة خبز، إلى الحمام على الأفاريز، ثم قال كأنه يتحدث عن شىء آخر:

«وسنة الإيجار، فاكرها؟ سنة ما الوقف بعت لك إنذار، وإنت كنت متأخر سنة ونص، وقلت لى هقفل وأروح أشتغل صبى عند حد. وبعدين جه لك ورق إن المتأخر اتسد، وإنت افتكرت إن ناظر الوقف سامحك؟ ناظر الوقف عمره ما سامح حد. الحاج راح دفع. وقال لى: إياك.»

وأحس رمضان بالأرض الحجرية تميد تحت الصندوق. قال:

«ليه يا حاج متولى؟ ليه؟ أنا مين بالنسبة له؟»

وأمسك متولى المطرقة الصغيرة، وقلبها فى يده، ولم يرفعها. وقال بصوت تعب:

«ده سؤال مش بتاعى يا ابنى. أنا حلفت. هو ساكن فوق دكان الست وداد بتاعة الخيامية، أول ما تعدى باب زويلة على إيدك اليمين، سلم خشب ضيق. من يوم الأربع بالليل وقع فى الأوضة، وحفيدى ودّاه المستشفى اللى فى باب الخلق. روح لوداد الأول. هى اللى معاها الخبر.»

ثم أضاف، وهو ينظر إلى الصينية لا إليه:

«ولو لقيت الحاج يا رمضان… قول له متولى ما قالش حاجة.»

لوحة سادسة: تحت باب زويلة

ارتفع باب زويلة أمامه كما يرتفع جبل فى طريق مسافر. برجان مستديران من حجر ضخم بلون العسل المحروق، يقومان على جانبى الممر كحارسين لم يناما منذ تسعة قرون، وفوقهما مئذنتان رشيقتان تصعدان فى السماء بشرفاتهما المتتالية كأنهما تبحثان عن شىء ضاع فى الغيم. ووقف رمضان تحت العقد الكبير، فى الظل البارد الذى تفوح منه رائحة الحجر القديم والرطوبة، وسمع صدى خطواته يرجع إليه من الحجارة كأن أحداً يمشى خلفه.

وتذكر أنه وقف هنا، فى هذا المكان، وهو فى السابعة، ويده فى يد أمه، وأنها رفعت إصبعها إلى المئذنتين وقالت إن الناس كانوا زمان يعلقون على هذا الباب من يخون، فخاف ودفن وجهه فى طرف ملاءتها. وقالت له يومها شيئاً لم يفهمه ولم ينسه: «الخاين يا ضنايا مش اللى يتعلق، اللى يتعلق ده اللى اتمسك. الخاين بجد اللى يفضل عايش ومحدش عارفه». ولم يعرف قط لماذا قالت ذلك، ولماذا سكتت بعده الطريق كله.

وعبر الباب، فإذا هو فى شارع الخيامية، والشارع المسقوف بالخشب يتلون فوقه وحوله كأنه دخل صندوق ألوان مفتوحاً. على الجانبين دكاكين ضيقة متلاصقة، فى كل منها رجال ونساء يجلسون على الأرض أو على كراسى واطئة، يخيطون بالإبرة قطعاً من القماش الملون على قماش أكبر: نجوم ثمانية وأزهار لوتس وأقواس وحروف عربية متشابكة، أحمر وأخضر وأصفر وأزرق نيلى، تتدلى من السقف إلى الأرض كأعلام لبلاد لم تُكتشف بعد.

ووجد السلم الخشبى الضيق كما وصفه متولى، بجوار دكان امرأة فى الخمسين، ممتلئة، فى جلباب أسود وطرحة بنية، تجلس أمام قطعة كبيرة من الخيامية على شكل دائرة زرقاء فى قلبها آية مكتوبة بالقماش الأبيض. ورفعت المرأة رأسها حين وقف أمامها، ونظرت إلى وجهه، ثم إلى الخصلة البيضاء الواقفة على رأسه، فشهقت شهقة صغيرة، ووضعت الإبرة.

«إنت الأسطى رمضان.»

ولم تكن تسأل.

قالت الست وداد، وعيناها تمتلئان، إن الحاج سليمان توفى فجر اليوم فى المستشفى. وإن حفيد المعلم متولى معه هناك ينهى الأوراق. وإن الغُسل فى مغسلة جامع الماردانى بعد ساعة، والجنازة بعد صلاة الظهر.

وقال رمضان، وهو لا يعرف لماذا تعلق بهذا الخيط دون غيره:

«سليمان؟ اسمه أمين يا ست.»

ونظرت إليه وداد نظرة طويلة، ثم مسحت عينيها بطرف طرحتها وقالت:

«اسمه سليمان. أمين ده اسم أبوه.» ثم سكتت، وأضافت بسرعة كأنها تؤدى أمانة قبل أن تخونها شجاعتها: «وكان موصينى من سنين، ومعايا المعلم متولى شاهد: لو جرى له حاجة، الأسطى رمضان هو اللى يحلق له قبل الغسل. محدش غيره. وقال: وما حدش يقول له حاجة تانية.»

وبقى رمضان واقفاً بين الأقمشة الملونة، والإبر حوله تصعد وتنزل فى صمتها، والنجوم الثمانية تتدلى من السقف فوق رأسه. وفكر، وكان التفكير يأتيه بطيئاً كالماء فى إناء مثقوب، أن الرجل مات فجر اليوم. لا يوم الخميس، ولا يوم الجمعة. فجر اليوم. وأنه لو خرج أمس، لو عبر العتبة أمس بدلاً من أن يجلس يقنع نفسه بأن الخميس القادم سيأتى ومعه الجرس، لوجده حياً.

ثم استدار، ورجع من حيث جاء، تحت باب زويلة، وعبر الشارع الكبير بخطوات أسرع مما يحتمله ظهره، حتى بلغ العطفة، وفتح الصالون، ووقف أمام الرف الرخامى. وأخذ صندوقاً خشبياً قديماً، وأخذ يضع فيه الأدوات واحدة بعد واحدة، بالترتيب نفسه الذى يستعملها به كل خميس: المشط، والمقص، والموس ذا المقبض العظمى، والقايش، والفرشاة، والطاسة النحاسية، وحجر الشبة، وزجاجة الكولونيا. ثم أخذ الفوطة البيضاء المطوية على مسند الكرسى، الفوطة التى أعدها يوم الخميس ولم تُستعمل، ووضعها فوق كل شىء، وأغلق الصندوق.

لوحة سابعة: نعى على باب الجامع

كان على باب جامع الماردانى ملصقاً بشريط لاصق على الخشب العتيق المصفح بالنحاس، لوح من الكرتون كُتب عليه بقلم عريض، بخط مرتعش يعرفه رمضان، خط متولى الذى يكتب به أسعار الصوانى:

«انتقل إلى رحمة الله تعالى الحاج سليمان أمين الدرديرى، نقاش النحاس بالدرب الأحمر. وتشيع الجنازة عقب صلاة الظهر من هذا المسجد. إنا لله وإنا إليه راجعون.»

وقرأ رمضان السطر مرة، ثم مرة، ثم ثالثة.

ثم أخرج من جيب سترته الداخلى، ببطء، بأصابع لم تعد تطيعه تماماً، بطاقته الشخصية، البطاقة الورقية القديمة المغلفة بالبلاستيك التى لم يجددها منذ سنين، وقرأ فيها الاسم الذى قرأه آلاف المرات دون أن يقرأه حقاً: «رمضان سليمان أمين الدرديرى».

كان الاسم معه طوال الوقت. فى جيبه، فوق قلبه. وكان الرجل قد اختار، حين دخل الصالون لأول مرة واحتاج إلى اسم، أن يسمى نفسه باسم أبيه، الاسم التالى فى السلسلة، كأنه لم يرد أن يكذب كذبة كاملة، بل أن يقف خطوة واحدة إلى الوراء، فى الظل، حيث يستطيع أن يرى ولا يُرى.

وأحس بيد على كتفه. كان متولى قد جاء، يتوكأ على حفيده، ووقف إلى جواره ينظر إلى الكرتونة. ولم يقل أحدهما شيئاً زمناً. ثم قال متولى، بصوت من يفك عقدة شدها بأسنانه نصف قرن:

«دلوقتى أقدر أتكلم. هو مات، وأمك ماتت، والحلفان مات معاهم.»

وجلسا على الدكة الحجرية فى مدخل الجامع، تحت عقد المقرنصات، وحكى متولى، ورمضان يسمع كما لم يسمع فى حياته.

حكى عن شاب اسمه سليمان، كان صبياً فى ورشة أبى متولى، أمهر من رأته الورشة فى الحفر، يحفر الآية على حافة الصينية فتبدو كأنها كُتبت بالحبر لا بالأزميل. تزوج نفيسة، بنت الفرّان، وهى فى السابعة عشرة، وولد له رمضان. ثم عرف القهوة التى فى آخر الشارع، والورق، والرهان، فخسر أجرته، ثم خسر حلق نفيسة الذهب، ثم خسر نحاساً من الورشة لم يكن له. وفى ليلة جاء الدائنون يطرقون الباب، فخرج من النافذة الخلفية، وركب أول قطار إلى الإسكندرية، ولم يرجع. وكان رمضان فى الثانية.

قال متولى: «أمك ما بكتش قدام حد. قالت للحارة إنه غرق. ومشينا كلنا معاها فى الكدبة. عملنا له عزا وهو عايش. أبويا قعد فى الصوان وقرا الفاتحة على راجل بيشتغل شيال فى ميناء الإسكندرية. علشان العيل يكبر وأبوه ميت راجل، مش عايش هربان.»

ثم رجع سليمان بعد ثمانية عشر عاماً. رجع رجلاً آخر، ترك الورق والقهوة، وعمل فى الميناء حتى انحنى ظهره، وجمع مالاً قليلاً حمله إلى نفيسة فى منديل. ووقفت نفيسة على باب بيتها، ولم تدخله، وقالت كلاماً حفظه متولى لأنه كان واقفاً على السلم:

«ابنك عنده عشرين سنة ومتربى على إن أبوه مات راجل. لو بتحبه، سيبه يفضل كده. لو قلت له دلوقتى، هتكسبه إنت وهيخسر هو أبوه.»

وأخذها سليمان إلى الزاوية التى فى آخر العطفة، وحلف على المصحف، ومتولى شاهد، ألا يقول لرمضان من هو، ما دام حياً. ثم استأجر غرفة فوق دكان الخيامية، ورجع إلى الحفر فى ورشة متولى، وعاش عشر سنين يمر من أول العطفة، ينظر من بعيد إلى الصبى الذى صار شاباً، والشاب الذى صار حلاقاً، والحلاق الذى تزوج، ولا يقترب.

«ولما أمك ماتت، قلت له خلاص يا سليمان، الحلفان خلص. قال لى: الحلفان للحى يخلص، وللميت ما يخلصش. هى مأمنانى وهى تحت التراب، أخونها إزاى وهى مش قادرة ترد؟»

وسكت متولى، وأخذ نفساً طويلاً، ثم قال:

«وبعد سنة ماتت مراتك والعيل. وقفلت المحل. وقعدت لا بتاكل ولا بتشرب ولا بتكلم حد. وكسرت المراية، الصبى بتاع القهوة سمع الصوت. وسليمان جالى الورشة الصبح زى المجنون. قال: يا متولى الواد هيموت، ابنى هيموت وأنا واقف أتفرج. قلت له روح له. قال: ما أقدرش أكلمه. قلت له: خلاص، ما تكلموش. روح اقعد تحت إيده بس. اتحلق.»

ونظر متولى إلى رمضان، وكانت عيناه حمراوين، وقال:

«وراح الخميس اللى بعده. وفضل يروح أربعين سنة.»

لوحة ثامنة: الحلاقة الأخيرة

كانت مغسلة الجامع حجرة صغيرة نصف معتمة فى الركن الخلفى، بلاط أرضها مبلل، ونافذتها العالية تُدخل شريطاً واحداً من الضوء يسقط مائلاً على دكة رخامية بيضاء. وكان على الدكة، تحت ملاءة بيضاء، جسد صغير لا يكاد يرفع القماش.

ووقف المغسل، الشيخ حامد، رجلاً هادئاً فى الستين بلحية مشذبة، عند الرأس، وقال برفق:

«اتفضل يا أسطى. هو موصى.»

وفتح رمضان الصندوق الخشبى على حافة الدكة، وأخرج الأدوات واحدة بعد واحدة، ورصها على الرخام بالترتيب نفسه الذى يرصها به على رفه منذ أربعين عاماً. ثم كشف الشيخ حامد الوجه.

كان الوجه هو نفسه. الشارب الأبيض، والندبة الصغيرة تحت الذقن، والتجاعيد التى يعرف رمضان طرقها كما يعرف طرق العطفة. وكانت العينان مغمضتين، كما يغمضهما الحاج تحت الفوطة الساخنة كل خميس، حتى خُيل لرمضان لحظة أنه سيفتحهما حين يبدأ الموس. وكان على الذقن زغب أبيض قصير، نما فى ثلاثة أيام لم يأتِ فيها إلى الصالون.

لم يكن هناك ماء ساخن فى كنكة على وابور، فبلل رمضان الفوطة البيضاء من صنبور المغسلة، وانتظر حتى صار الماء دافئاً، ووضعها على الوجه، وعدّ دقيقتين بقلبه. ثم قلب الرغوة فى الطاسة النحاسية حتى صارت كالقشدة، وسن الموس على القايش، خمس مرات من هنا وخمس من هناك. وكان الشيخ حامد واقفاً فى الركن، لا يتكلم، وفى الخارج أصوات الناس تتجمع فى صحن الجامع، ونحنحات، وخطوات على الحصير، ونفس عميق لرجل يقرأ القرآن بصوت خفيض.

وبدأ.

مع اتجاه الشعر أولاً. الخد الأيمن، ثم الأيسر، ثم تحت الذقن حول الندبة الصغيرة، بحذر من يمر على خيط رفيع. وكانت يده ثابتة. ثابتة كما لم تكن منذ سنين. وكان يحدث أباه وهو يحلق له، لا بصوته بل بذلك الصوت الآخر الذى يتكلم به الناس فى صدورهم: كنت تعرف أنى أحب الينسون. كنت تعرف أنى أخاف من الظلمة وأنا صغير لأنك سألتنى. كنت تعرف يوم ماتت أمى. كنت تقعد كل خميس وأنا ماسك رقبتك بإيدى، والموس على جلدك، وكان ممكن أقطعك وما أعرفش إنى بقطع أبويا.

ثم ضد اتجاه الشعر. ثم حجر الشبة، يمر على الجلد البارد فلا يلسعه، فلا ينكمش الوجه انكماشته الصغيرة المعتادة، ولا يقول الحاج «الله»، كما كان يقول كل خميس. وعند ذلك فقط ارتجفت يد رمضان، فرفعها، وانتظر حتى سكنت.

ثم الشعر. لم يكن قد طال كثيراً، لكنه لم يتركه. خفف الجنبين، ودرّج القفا بقدر ما سمحت له الدكة الرخامية، ثم مد أصابعه إلى قمة الرأس ليتركها كما هى، كما يتركها كل أسبوع.

وتحت أصابعه، فى القمة، كانت الدوامتان.

أربعون عاماً وأصابعه تمر عليهما كل خميس. وسبعون عاماً وهما فى رأسه هو، تقفان بالخصلة البيضاء العنيدة التى لم تستطع كف أمه المبللة أن تنيمها. «طالع بدوامتين، عنيد زى…»، والجملة التى لم تكتمل فى فم نفيسة سبعين عاماً اكتملت الآن تحت أصابعه، على رخام بارد، فى حجرة نصف معتمة، بلا كلمة واحدة.

وأخذ رمضان الكولونيا، وصبها فى كفه، وصفق بها الخدين صفقتين خفيفتين كتحية.

ثم انحنى، وقال بصوت لم يسمعه إلا الشيخ حامد، الكلمة التى لم يقلها فى حياته لأحد، لأنه لم يجد قط من يقولها له:

«نعيماً يابا.»

وخرج الحاج سليمان أمين الدرديرى بعد صلاة الظهر من جامع الماردانى محمولاً على الأكتاف، وخلفه الدرب الأحمر كله: متولى يتوكأ على حفيده، وشوقى العطار بمريلته لم يخلعها، والست وداد ونساء الخيامية فى آخر الجمع، وعبده صبى القهوة بصينيته الفارغة فى يده لأنه نسى أن يتركها، وصبيان الورش بأيد سوداء من النحاس. ومشى رمضان تحت النعش، فى المقدمة، كتفه تحت الخشب، فى الشارع الكبير الذى لم يمش فيه منذ ثمانية وثلاثين عاماً، الشارع الذى كان طريق الجنازة. ولم يكن يبكى. كان يمشى فقط، ويحمل.

لوحة تاسعة: خميس آخر

فى الخميس التالى فتح رمضان الصالون فى موعده، ورش الماء أمام العتبة، ومسح المرآة بالخل، وملأ الكنكة ووضعها على الوابور، وطوى الفوطة البيضاء على مسند الكرسى. لم يكن يعرف لماذا يفعل ذلك. كانت يداه تعرفان.

وكانت العطفة قد عادت إلى أصواتها كأن شيئاً لم يحدث: دق النحاس من آخرها، ورائحة الكمون والقرفة من أولها، والحمام يشرب من حوض السبيل المكسور، والمشربية السوداء تميل لتسمع. لكن رمضان كان يرى الآن ما لم يكن يراه. يرى شوقى العطار يلتفت نحو الصالون كل ساعة ليطمئن أن بابه مفتوح. ويرى عبده يمر بالشاى ويبطئ عند العتبة دون أن يُطلب منه شاى. ويرى الست وداد، التى لم تأتِ إلى العطفة فى حياتها، تمر ظهراً بكيس فيه برتقال، وتتركه على كرسى الانتظار، وتمضى دون كلام. وفهم أن العطفة لم تكن تتركه وحده أربعين عاماً، وأن الشبكة التى نسجها رجل واحد بصمته لم تنقطع حين مات، بل شدت خيوطها قليلاً، كما تشد الخيامية غرزها حين تُرفع القطعة لتُعلق.

ونزل أذان العصر من مئذنتى باب زويلة. وزحف ظل المشربية على العطفة، وبلغ العتبة.

ورن الجرس.

ورفع رمضان رأسه بحركة لم يستطع أن يمنعها. وكان على العتبة الحاج متولى، يتوكأ على عصاه، صغيراً، صلباً، فى جلباب نظيف، وعلى رأسه طاقية بيضاء. ووقف لحظة ينظر إلى المسمار المدقوق فى الحائط بجوار الباب، المسمار الذى لا عصا عليه، ثم أسند عصاه إلى الحائط تحته، ولم يعلقها.

وقال:

«السلام عليكم يا أسطى. شعرى طول.»

وكان شعر متولى، فى الحقيقة، قصيراً لا يحتاج إلى مقص. ونظر إليه رمضان، ونظر متولى إلى رمضان، وفهم كل منهما ما لا يقال، وابتسما ابتسامة صغيرة متعبة، كابتسامة رجلين يحملان معاً شيئاً ثقيلاً ويعرفان أن الطريق طويل.

«وعليكم السلام. اتفضل يا حاج، الكرسى كرسيك.»

وحلق له. خفيفاً من الجنبين، والقفا مدرج. وتكلما عن الجو، وعن غلاء النحاس، وعن الحمام. ولم يذكر أحدهما سليمان. ودفع متولى ورقة جديدة لامعة، ورفض الباقى بحركة من يده، ثم أخذ عصاه، وخرج يتوكأ فى العطفة نحو الورش، وطق، طق، طق، يرحب به من بعيد.

وبقى رمضان وحده.

ونظر إلى الكرسى الفارغ. ثم فعل شيئاً لم يفعله فى خمسين عاماً من المهنة: جلس عليه. جلس على كرسى الزبون، بجلده الأحمر المرقع الذى ما يزال دافئاً، ومال به إلى الوراء حتى أنَّ أنينه الطويل، فصارت عيناه فى الزاوية نفسها التى كانت فيها عينا أبيه كل خميس.

ونظر إلى المرآة.

وفى الركن المشروخ، بين فرعى غصن الشتاء، كانت تنظر إليه عينان رماديتان تميلان إلى البنى، فى جفنيهما ثقل خفيف، وفيهما انتباه شديد، وشىء آخر يشبه الاعتذار.

وعرفهما.

كان قد رآهما هناك ألفى خميس، ولم يخطر له قط أن يبحث عنهما فى وجهه.

الصورة: صورة تعبيرية للقصة.
قصة من تأليفنا: أحداثها وشخصياتها من وحى الخيال.
شارك الخبر: فيسبوك واتساب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top