لوحة أولى: واجهة تحفظ الوجوه
فى شارع جانبى ينحدر من ميدان السيدة زينب نحو زينهم، بين محل لبيع الطراشى تفوح منه رائحة الخل والليمون المعصور، ومكوجى رجل يرش الماء على القمصان من فمه رشاً منتظماً كأنه يعمّدها، كان «استوديو أرارات» يقف منذ ثمانية وثمانين عاماً على الهيئة نفسها تقريباً: واجهة ضيقة من الخشب البنى المطلى مرات حتى صارت طبقات الطلاء كطبقات الأرض عند الحفر، ولافتة من الزجاج المعشق كُتب عليها بحروف عربية وأرمنية مذهبة اسم الجبل الذى لم يره أحد فى الحى، وفاترينة عريضة تعرض وجوهاً لم يعد أصحابها يمرون من هنا.
كانت الفاترينة متحفاً صغيراً للأعمار المتوقفة. عريس بشارب رفيع وبدلة واسعة الأكتاف يمسك يد عروس كأنه يخشى أن تطير، وطفل عار على جلد خروف ينظر إلى الكاميرا بدهشة من رأى الدنيا لأول مرة ولم يقرر بعد إن كانت تعجبه، وجندى شاب يضع يده على حزامه ليبدو أكبر من سنه، وطالبة بمريلة المدرسة تبتسم ابتسامة مدروسة علّمها المصور إياها قبل أن يضغط الزر. وقد أكلت الشمس الألوان من كل الصور، فصار الأحمر وردياً، والأزرق سماوياً شاحباً، والوجوه كلها مائلة إلى الصفرة، كأن أصحابها مرضوا جميعاً بالمرض نفسه، مرض الانتظار.
وفى الداخل، خلف الستارة المخملية الحمراء التى بهت لونها عند الأطراف حتى صار بلون الطوب، امتدت صالة التصوير طويلة ضيقة. على الحائط الخلفى خلفيات مرسومة باليد على القماش، تُلف وتُنشر كأشرعة السفن: بحيرة سويسرية تحيط بها جبال بيضاء، وبرج إيفل تحت سماء زرقاء لا يكدرها شىء، وحديقة فيها نافورة وبجعتان. وكان أهل الحى، فى زمن مضى، يسافرون إلى هذه البلاد كلها فى عشر دقائق وبخمسين قرشاً، ثم يعودون إلى بيوتهم فى زينهم والحلمية وعلى أكتافهم غبار المدن الأوروبية الذى لا يُرى. وفى الوسط كرسى خشبى مذهب الأطراف، ومنضدة صغيرة عليها مزهرية بزهور بلاستيكية لم تذبل منذ عهد عبد الوهاب، وكاميرا خشبية كبيرة على حامل ثلاثى، فوقها قماشة سوداء كجناح غراب نائم.
وعلى حائط المدخل، فوق مكتب الاستقبال الصغير، إطار خشبى قديم فيه قطعة نقود نحاسية خضراء الحواف، وتحتها بخط فرنسى مائل: «أول قرش – ١٩٣٨ – هاكوب». فقد جرت عادة أصحاب المحلات فى مصر أن يعلقوا أول ما يقبضونه، تفاؤلاً بما سيأتى بعده، ولم يجرِ قط أن يعلق أحدهم آخر ما قبض.
فى هذا الإطار كله كان يجلس يوسف القليوبى. رجل فى السادسة والسبعين، قصير القامة، ممتلئ الكتفين امتلاء من حمل الحوامل الثقيلة نصف قرن، أصلع إلا من إكليل أبيض خفيف حول رأسه يمشطه كل صباح بعناية كأنه ما يزال يملك شعراً يستحق المشط. وكانت عيناه أصغر من وجهه، ضيقتين من كثرة ما ضيقهما خلف عدسة، كأن الكاميرا علمته ألا يرى من الدنيا إلا ما يلزم. وأصابع يده اليمنى سمراء عند الأطراف سمرة لا يذهبها الصابون، أثر خمسين عاماً من أحواض التحميض، كأن الكيمياء كتبت اسمها على لحمه.
وكان أعز ما فى الاستوديو عنده ليس الكاميرا ولا الخلفيات، بل درج طويل فى أسفل المكتب، عميق كالبئر، يسميه «درج الأمانات». فيه مئات المظاريف البنية، على كل منها اسم وتاريخ ورقم إيصال: صور صُورت ولم يأتِ أصحابها لأخذها. عرائس لم يرجعن، وجنود لم يرجعوا، وأطفال كبروا وشاخوا ولا يعرفون أن وجوههم الأولى ترقد هنا، فى العتمة، تنتظر.
لوحة ثانية: إنذار على ورق مسطّر
جاء الإنذار يوم سبت، مكتوباً على ورقة مسطرة من كراسة مدرسية، بخط يد مستعجل، ومعه نسخة رسمية بختم محام فى مظروف أبيض صقيل. وحمله شاب فى الثلاثين، يلبس قميصاً ضيقاً ونظارة شمسية رفعها فوق رأسه كتاج، ويحمل مفاتيح سيارة يقلبها بين أصابعه كما كان جده يقلب السبحة.
كان ابن الحاج رشاد، صاحب البيت الراحل، الذى ظل يأخذ من يوسف إيجاراً قديماً قدره تسعة جنيهات ونصف، ويأخذ معه كل عيد صورة عائلية مجانية بالخلفية السويسرية. ومات الحاج رشاد، وصدر القانون الجديد، وورث الابن البيت والقانون معاً.
قال الشاب وهو ينظر إلى الخلفيات المعلقة كمن ينظر إلى ثياب ميت:
«يا عم يوسف، أنا بحبك والله، وأبويا الله يرحمه كان بيحبك. بس آخر الشهر. المحل هيبقى فرع لشركة موبايلات. الناس دلوقتى معاها الكاميرا فى جيبها، إنت عارف ده أكتر منى.»
«عارف يا ابنى.»
«وبعدين بصراحة، مين لسه بيتصور فى استوديو؟»
ولم يجب يوسف. نظر إلى الإنذار، ثم إلى الإطار الذى فيه أول قرش، ثم إلى الشاب، وقال بهدوء من شهد سقوط أشياء أكبر:
«الناس معاها الكاميرا يا ابنى، لكن مش معاها الصورة. الصورة حاجة تانية.»
ضحك الشاب ضحكة مهذبة لم يفهم منها شيئاً، وصافحه، وخرج يتكلم فى هاتفه بصوت عال عن مقاسات المحل وعدد المقابس الكهربائية.
وكان فى الاستوديو منذ ثلاث سنوات صبى، أو شاب يعامله يوسف كصبى، اسمه كريم، فى الحادية والعشرين، يدرس الإعلام فى جامعة خاصة لا يذهب إليها إلا أيام الامتحانات، ويعمل عند يوسف فى تصوير الأفراح بالكاميرا الرقمية والطائرة الصغيرة التى تطير فوق الزفة كذبابة كبيرة من الصلب. وكان كريم هو الذى يجلب الزبائن الآن، من صفحة على الإنترنت سماها «أرارات للتصوير الاحترافى»، يضع فيها صور العرائس بعد أن ينحت وجوههن ببرنامج فى الحاسوب، فيصغر الأنف، ويكبر العين، ويختفى من الجلد كل ما خلقه الله فيه من نمش وندوب وحكايات.
قال كريم بعد أن انصرف الشاب:
«يا عم يوسف، ما تزعلش. أنا ممكن آخد الشغل كله أونلاين. الناس مش محتاجة محل. محتاجة لينك.»
«والدرج؟»
«أى درج؟»
وأشار يوسف بذقنه إلى أسفل المكتب. فضحك كريم وقال: «الصور القديمة؟ أصورها كلها بالموبايل وأحطها على الصفحة. اللى يعرف نفسه ييجى ياخدها. ممكن تعمل تريند كمان.»
وكان فى الاقتراح، على ما فيه من خفة، شىء من المنطق. لكن يوسف كان يعرف، بحكمة من صوّر الناس فى أجمل لحظاتهم وأكثرها حرجاً، أن المصريين يقفون أمام الكاميرا فى ثلاث مناسبات لا رابع لها: حين يتزوجون، وحين يُطلب منهم ذلك فى مصلحة حكومية، وحين يموتون فتُكبر صورتهم القديمة وتُعلق فى السرادق. وأن الصورة فى هذه المناسبات الثلاث ليست زينة، بل وثيقة: تقول إن هذا الإنسان كان هنا، فى هذا اليوم، بهذا الوجه. وأن الوثيقة لا تُعرض على الغرباء لكى يضغطوا عليها بإصبع ويمضوا.
وفى المساء، بعد أن أغلق الباب الحديدى، جلس يوسف وحده تحت لمبة الاستقبال الصفراء، وفتح درج الأمانات، ونظر إليه طويلاً كما ينظر رجل إلى قبور أهله قبل أن تنقلها الحكومة إلى مكان آخر.
لوحة ثالثة: إيصال رقم ١١٨٣
بعد ثلاثة أيام، فى ضحى يوم ثلاثاء، والشمس تسقط مائلة على الفاترينة فتجعل الوجوه الباهتة فيها أكثر بهتاناً، دخلت فتاة فى نحو الثالثة والعشرين. نحيلة، تلبس طرحة رمادية وجاكت جينز، وتحمل حقيبة من القماش عليها صورة قطة، وفى وجهها ذلك التعب الذى لا يأتى من قلة النوم بل من كثرة الصبر.
وقفت عند الباب مترددة، تنظر إلى الخلفيات والكاميرا الخشبية كأنها دخلت متحفاً بالخطأ، ثم قالت:
«حضرتك الأستاذ يوسف؟»
«أنا يا بنتى. اتفضلى.»
جلست على حافة الكرسى المذهب، وفتحت حقيبتها وأخرجت منديلاً قماشياً قديماً مطوياً كما تطوى الجدات أوراقهن المهمة، وفتحته بأصابع حذرة، فظهرت فيه قصاصة ورق صغيرة صفراء، مثقوبة الطرف، مكتوب عليها بقلم كوبيا باهت: «استوديو أرارات – إيصال رقم ١١٨٣ – عروسة – المدفوع ٢ ج – الباقى ٣٫٥٠».
قالت الفتاة:
«أنا اسمى نهى. ستى إحسان، الله يخليها، عندها زهايمر من أربع سنين. مش بتعرف حد فينا خلاص، ولا حتى أبويا ابنها. بس كل يوم العصر تقعد عند الشباك وتقول: الصورة عند الأستاذ يوسف، لازم أروح أدفع الباقى. ولقينا الورقة دى فى علبة الصيغة بتاعتها، ملفوفة فى المنديل ده. أبويا بيقول دى تخاريف، واللى فات مات. بس أنا قلت أجى أسأل. يمكن.»
وكان يوسف قد أمسك القصاصة، ونظر إلى الخط الكوبيا، فعرفه قبل أن يقرأه. كان خطه هو، وهو فى الثانية والعشرين، حين كان يكتب بحرص شاب يريد أن يثبت لنفسه وللحى أنه صار صاحب محل. ونظر إلى الرقم، فشعر بشىء بارد يمر فى ظهره، كالقطرة الأولى من ماء التحميض حين تسقط على اليد.
قال بصوت حاول أن يجعله عادياً:
«سنة كام؟»
«ستى اتجوزت سنة اتنين وسبعين. وجدى مات سنة خمسة وسبعين، وقع من على سقالة وهو بيدهن عمارة فى المنيل. أبويا كان عنده سنتين. وعمرنا ما شفنا صورة لجدى. ولا صورة. كانوا غلابة، ومين كان بيتصور زمان غير فى الفرح؟»
ثم أضافت، وهى تنظر إلى الأرض:
«أبويا عنده تلاتة وخمسين سنة، وعمره ما شاف وش أبوه.»
وصمت الاستوديو. ومر فى الشارع بائع غاز يدق على الأنبوبة بمفتاحه دقات معدنية متتابعة كجرس كنيسة صغيرة تائهة، ثم ابتعد.
قال يوسف:
«سيبى لى رقم تليفونك يا بنتى. وتعالى يوم الخميس.»
لوحة رابعة: ليلة الدرج الكبير
فى تلك الليلة لم يرجع يوسف إلى بيته فى الحلمية. أنزل الباب الحديدى إلى منتصفه، كما يفعل التجار حين يريدون أن يقولوا للمارة إنهم موجودون وغير موجودين فى آن، وجلس على الأرض أمام درج الأمانات، وأخرجه كله من مكانه، ووضعه بين ساقيه كما يضع الصياد شبكته.
كانت المظاريف مرتبة بالسنين، كل سنة مربوطة بخيط دوبارة. وكانت رائحتها حين فتح الخيوط رائحة ورق قديم وخل ونفتالين، ورائحة أخرى لا اسم لها، يسميها المصورون القدامى «رائحة الفضة»، تلك التى تسكن الصور الأبيض والأسود وتتكثف فيها مع الزمن، كأن الوجوه نفسها تتنفس فى الظلام.
ومر على السنين كما يمر القطار على المحطات الصغيرة دون أن يتوقف. سنة ثمانين: عروس بطرحة طويلة جداً وعريس بسوالف عريضة. سنة ستة وسبعين: ثلاثة أطفال أشقاء على كرسى واحد، أكبرهم يمسك أصغرهم من ياقته حتى لا يسقط. سنة أربعة وسبعين: رجل عجوز فى جلباب، وحده، أمام البحيرة السويسرية، يرفع ذقنه بكبرياء. ولم يعرف يوسف لماذا لم يأتِ هؤلاء، ولم يكن يعرف من قبل. كان يفترض دائماً، فى عناد الشباب ثم فى كسل الشيخوخة، أنهم نسوا، أو استغنوا، أو لم يعجبهم وجههم فى الصورة، وكلها افتراضات مريحة لصاحب المحل.
ثم وصل إلى رباط سنة اثنتين وسبعين.
ووجد المظروف. رقم ١١٨٣. وعليه بالكوبيا نفسه: «عبد الفتاح وإحسان». فتحه بأصابع ترتجف قليلاً، فانزلقت منه ست صور، مقاس ثمانية عشر فى أربعة وعشرين، ومعها شريط السلبية ملفوفاً فى ورقة شفافة.
كانت العروس تجلس على الكرسى المذهب نفسه، الذى ما يزال قائماً فى منتصف الصالة على بعد خطوتين منه. فتاة فى الثامنة عشرة، مستديرة الوجه، عيناها واسعتان أوسع من أن تحتملا الخجل، فى فستان أبيض بسيط واضح أنه مستعار، لأن كتفيه أعرض من كتفيها. وكانت تمسك باقة ورد صناعى، هى نفسها الباقة التى فى المزهرية الآن، يعرفها من الوردة المكسورة فى طرفها. وخلفها، واقفاً، يده على كتفها، شاب نحيل طويل، فى بدلة واحدة كان يملكها على الأغلب، شعره مدهون ومفروق من الجانب بخط مستقيم كأنه رُسم بمسطرة، وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة مائلة، ابتسامة رجل يحاول أن يبدو جاداً فى يوم لا يستطيع أن يكون فيه إلا سعيداً. وكان فى أصابع يده التى على كتفها شىء لفت عين يوسف المحترفة: بقع صغيرة فاتحة على الجلد الداكن. بقايا طلاء. فالشاب جاء إلى فرحه من السقالة مباشرة.
ثم قلب يوسف المظروف، فرأى ما كان يخشى أن يراه. فى ظهره، بالكوبيا نفسه، وبالخط نفسه، ثلاثة سطور قصيرة:
«٤ مايو: جاءت تسأل. لا تسليم بغير الحساب.
١٨ مايو: جاءت ثانية. قالت الأسبوع الجاى.
٢ يونيو: عرضت حلق دهب رهن. رفضت. الاستوديو ليس محل رهونات.»
جلس يوسف على الأرض بين المظاريف المفتوحة، والوجوه الصفراء تنظر إليه من كل جانب، وأحس، لأول مرة فى حياته، أن الدرج الذى ظل يسميه «درج الأمانات» خمسين عاماً لم يكن يحفظ أمانات الناس عنده، بل كان يحفظ ما أخذه منهم.
لوحة خامسة: ثلاث زيارات وحلق
انفتح فى رأسه باب كان قد أغلقه وأحكم إغلاقه، ثم نسى أين وضع المفتاح.
كان صيف سنة اثنتين وسبعين صيفاً خانقاً، والخواجة هاكوب قد سافر قبلها بعامين إلى بيروت، بعد أن باع الاستوديو ليوسف، تلميذه منذ كان فى الثانية عشرة، بالتقسيط المريح: مائة جنيه كل سنة، تُرسل فى حوالة بريدية. وكان هاكوب رجلاً طويلاً أبيض الشعر قبل أوانه، يتكلم العربية بلكنة تجعل كل جملة تبدو كأنها اعتذار، ويصور الفقراء والأغنياء بالعناية نفسها، ويقول ليوسف وهو يضبط الضوء على وجه بائعة فجل كما يضبطه على وجه زوجة باشا: «الوجه يا يوسف أمانة. الناس يعطونك وجوههم، فلا تردها إليهم أقبح.»
وكانت له قاعدة أخرى، يرددها بالحسم نفسه: «الصورة لا تخرج من الباب قبل حسابها. المصور الذى يعطى بالآجل يصور بالآجل.» وكان يوسف قد حفظ القاعدتين، لكنه، وهو شاب حديث العهد بالملكية، مثقل بالأقساط وبنظرات تجار الحى الذين راهنوا على أنه لن يكمل سنة، وجد فى القاعدة الثانية سنداً يتكئ عليه، ونسى الأولى. فالقواعد التى تحمى الجيب أسهل حفظاً دائماً من القواعد التى تحمى الناس.
وتذكر الزيارة الأولى غائمة، كصورة اهتزت يد صاحبها: فتاة تقف عند الباب ولا تدخل، تسأل بصوت لا يكاد يُسمع إن كانت الصور قد طلعت، فيخرج المظروف من الدرج ويريها طرفه من بعيد، كما يرى البائع الزبون قطعة القماش قبل أن يقبض الثمن، ثم يعيده. وتذكر الثانية أوضح قليلاً: جاءت ومعها امرأة عجوز، أمها على الأرجح، فى ملاية لف سوداء، وقفت تساومه كما يساوم الناس بائع السمك، تقول إن العريس رجل شغال وإن المصور ابن حلال وإن الدنيا لا تقف على ثلاثة جنيهات ونصف. وكان يوسف يومها قد ابتسم ابتسامة التاجر الذى سمع هذا الكلام ألف مرة، وقال إن الدنيا فعلاً لا تقف على ثلاثة جنيهات ونصف، ولهذا بالضبط ينبغى أن يدفعوها. وضحك صاحب محل الطراشى المجاور، الذى كان يسمع، فأحس يوسف بفخر صغير لا يزال يخجل منه حتى الآن.
وتذكر الآن، بوضوح مؤلم كصورة خرجت من حوض التحميض قبل أوانها، الزيارة الثالثة. يوم حار، والمروحة فى السقف تدور فتحرك الذباب ولا تحرك الهواء. ودخلت إحسان، وحدها، فى جلباب أسود بسيط وطرحة، والعرق يلمع على جبينها، وفى يدها كيس بلاستيك فيه خيار اشترته من السوق. ووقفت أمام المكتب، الذى كان فى مكانه نفسه، وقالت بصوت منخفض كأنها تخشى أن يسمعها الشارع:
«يا أستاذ يوسف، والنبى. عبد الفتاح ما قبضش اليومية بقاله أسبوعين، المقاول مسافر. خلى الصور معاك، بس ادينى واحدة بس. واحدة. وده حلقى، خليه عندك لحد ما أجيب التلاتة جنيه ونص.»
وفكت من أذنها اليسرى حلقاً صغيراً من الذهب، على هيئة هلال، رقيقاً حتى ليكاد يكون خيطاً، ووضعته على الزجاج بينهما.
ونظر يوسف الشاب إلى الحلق، ثم نظر إليها، وكان فى داخله صوت صغير يقول له أعطها، وصوت أكبر، صوت التجار الذين يراقبون، يقول له إن من يقبل الرهن مرة يصير محل رهونات إلى الأبد. ودفع الحلق نحوها بطرف قلمه، دون أن يلمسه، وقال الجملة التى كتبها بعد ذلك على ظهر المظروف:
«الاستوديو مش محل رهونات يا ست. لما تجيبى الحساب، تاخدى الصور كلها.»
وأخذت إحسان الحلق، وأعادته إلى أذنها ببطء، ولم تبكِ. وهذا ما تذكره يوسف الآن أكثر من أى شىء آخر: أنها لم تبكِ. قالت فقط: «حاضر. هجيب الباقى.» وخرجت، وكيس الخيار فى يدها، والباب الزجاجى يرن خلفها بجرسه النحاسى الصغير.
ولم ترجع.
ولم يسأل عنها. فقد كانت فى درجه، فى ذلك الصيف، عشرات المظاريف التى لم يرجع أصحابها، وكان يعدها كما يعد التاجر البضاعة الراكدة: خسارة صغيرة، تعوضها الأيام. وبعد ثلاث سنوات، حين سمع فى المقهى أن نقاشاً شاباً من زينهم وقع من سقالة فى المنيل، لم يربط بين الخبر والمظروف. أو ربط، فى مكان ما من نفسه لا تصل إليه اللمبة الصفراء، ثم أطفأ ذلك المكان.
وفى الصباح، حين فتح الباب الحديدى إلى آخره، وجده كريم نائماً على الكرسى المذهب، بملابس الأمس، والصورة على صدره.
لوحة سادسة: الغرفة الحمراء
كانت غرفة التحميض فى آخر الاستوديو، خلف باب ضيق مبطن بالقماش الأسود حتى لا يتسرب إليها خيط ضوء. حجرة صغيرة كالقبو، فيها حوض حجرى، وثلاثة أحواض بلاستيكية مستطيلة، وجهاز تكبير معدنى قديم يشبه مصباحاً لعالم مجنون، وحبل مشدود من الحائط إلى الحائط عليه ملاقط خشبية تنتظر صوراً لم تعد تأتى. ولم يدخلها يوسف منذ ست سنوات، منذ صار الناس يطلبون الصور مطبوعة من الحاسوب على ورق لامع يلمع كواجهات المحلات ولا يعيش.
قال لكريم:
«النهارده هتتعلم حاجة مش هتنفعك فى أى حتة.»
ونظر إليه كريم بدهشة، ثم دخل وراءه. وأغلق يوسف الباب، وأطفأ النور، وأشعل اللمبة الحمراء الصغيرة المعلقة فوق الأحواض، فغرقت الحجرة فى ضوء أحمر داكن كضوء الغروب حين يُرى من خلف الجفون المغمضة، وصار وجهاهما وجهين من نحاس.
كانت الصور الست قد اصفرت وبهتت، وظهرت على حوافها بقع بنية كبقع الشيخوخة على ظهر اليد. لكن السلبية كانت سليمة. فقد حفظها الظلام، والظلام، كما كان يقول هاكوب، أكرم حافظ للوجوه، لأنه لا ينظر إليها.
وضع يوسف الشريط فى جهاز التكبير، وضبط العدسة، وقاس الزمن بعدّ بصوت خافت، كما يعد المسبّح حبات سبحته: «واحد وعشرين، اتنين وعشرين، تلاتة وعشرين…» ثم أخذ الورقة البيضاء، التى لا يظهر عليها شىء، وأنزلها فى الحوض الأول، وأخذ يهزه هزاً رقيقاً كمن يهز مهداً.
ووقف كريم إلى جواره ينظر. ولم يكن قد رأى ذلك قط.
فى البدء لا شىء. ورقة بيضاء فى سائل شفاف. ثم، من العدم، كأن أحداً يتنفس على زجاج بارد، ظهر ظل. ظل شعر مفروق بخط مستقيم. ثم حاجبان. ثم عينان، تخرجان من البياض ببطء كمن يستيقظ من نوم طويل ولا يصدق أنه استيقظ. ثم الابتسامة الصغيرة المائلة، ابتسامة رجل يحاول أن يبدو جاداً. ثم يد على كتف، وعلى أصابعها بقع صغيرة من الطلاء.
همس كريم، كأنه فى مسجد:
«ده… ده بيطلع لوحده.»
«مش لوحده. كان موجود من الأول. الضوء كتبه على الورقة من خمسين سنة، والكيمياء بتفكره بس.»
ورفع يوسف الصورة بالملقط، ووضعها فى حوض الإيقاف، ثم فى المثبت، وعدّ، ثم أخرجها وعلقها على الحبل. وقطرت منها قطرات بطيئة على الأرض. ووقف الاثنان تحت اللمبة الحمراء ينظران إلى الشاب الذى مات قبل أن يولد كريم بخمسة وعشرين عاماً، والشاب ينظر إليهما من فوق الحبل، مبللاً، طازجاً، كأنه دخل الاستوديو لتوه وعلى يده طلاء السقالة.
قال كريم بعد صمت طويل:
«يا عم يوسف، أنا عندى على الموبايل تلاتين ألف صورة. ومش فاكر أنا صورت مين فيهم.»
ولم يرد يوسف. كان ينظر إلى العروس الجالسة تحت يد زوجها، إلى عينيها الواسعتين أوسع من أن تحتملا الخجل، ويفكر أنها هى أيضاً، فى مكان ما فى زينهم، قد نسيت هذا الوجه. وأن الصورة التى حبسها عنها خمسين عاماً ستصل إليها أخيراً، فى اليوم الذى لم تعد فيه تعرف صاحبتها.
وطبع ثلاث نسخ كبيرة، مقاس ثلاثين فى أربعين. ثم أخرج من مخزن الاستوديو إطاراً خشبياً قديماً، من الإطارات المذهبة التى كان هاكوب يبيعها للعائلات المحترمة، ومسحه بكم قميصه، ووضع فيه الصورة الأولى.
لوحة سابعة: بيت فى زينهم
كان البيت فى حارة ضيقة خلف سور المدابغ القديمة، حيث ما تزال فى الهواء، رغم أن المدابغ نُقلت منذ سنين، رائحة باهتة للجلد والجير، كأن الأرض نفسها تتذكر. بيت من ثلاثة أدوار، طلاؤه أخضر فاتح تقشر عند الأسفل فظهر تحته طلاء أصفر، وتحت الأصفر طلاء وردى، كأن البيت يرتدى كل أعماره فوق بعضها. وفى المدخل دراجة أطفال بلا عجلة، وقفص فيه أرنب أبيض ينظر إلى المارة بعينين حمراوين كأنه يعرف عنهم شيئاً لا يريد أن يقوله.
صعد يوسف السلم الضيق، والإطار تحت إبطه ملفوفاً فى ورق جرائد، وكريم وراءه يحمل كيساً فيه علبة حلوى من محل فى الميدان. وفتحت لهما نهى، وخلفها، فى صالة صغيرة، رجل عريض فى الثالثة والخمسين، أشيب الفودين، فى فانلة بيضاء بنصف كم، يجلس أمام تليفزيون صامت يعرض مباراة قديمة، وعلى ذراعه وشم صغير باهت لنسر.
كان هذا سيد، ابن عبد الفتاح وإحسان. سائق ميكروباص على خط السيدة زينب ورمسيس منذ ثلاثين عاماً. ونظر إلى الضيفين نظرة الرجال الذين تعلموا ألا ينتظروا خيراً من الطارقين، ولم يقم.
قال دون أن يرفع صوته:
«نهى قالت لى. حضرتك جاى تاخد التلاتة جنيه ونص؟ ولا الفوايد كمان؟»
احمر وجه نهى، وقالت: «بابا!» لكن يوسف رفع يده، وقال بهدوء:
«من حقك يا ابنى. ومن حقك تقول أكتر من كده.»
وقال سيد، والتليفزيون الصامت يلون وجهه بالأخضر ثم بالأزرق:
«أمى فضلت تقول لنا من وإحنا صغيرين إن صورة أبويا عند المصور. كنا فاكرينها حكاية بتقولها علشان ننام. أنا كنت فى المدرسة بأرسمه. أرسم راجل طويل لابس بدلة، وأسيب الوش فاضى. المدرس كان بيزعق لى ويقول كمّل الرسمة يا حمار. وأنا كنت أكمّل إزاى؟»
ولم يجد يوسف ما يرد به. فقد كان يعرف، بحكم المهنة، أن أصعب ما فى الصورة الوجه، وأن الإنسان يستطيع أن يرسم البدلة والكتفين والوقفة من الذاكرة، أما الوجه فلا يُرسم إلا من وجه.
وفى ركن الصالة، عند الشباك المفتوح على الحارة، كانت تجلس الحاجة إحسان. امرأة صغيرة، انكمشت مع السنين حتى صار الكرسى البلاستيكى الأبيض واسعاً عليها، فى جلباب منزلى بنفسجى وطرحة بيضاء من القطن، ووجهها المستدير قد صار كتفاحة تركت طويلاً فى الشمس، تجعدت قشرتها ولم يذهب لونها. وكانت تنظر إلى الحارة، إلى الأرنب فى القفص أو إلى لا شىء، ويداها فى حجرها تطويان طرف الطرحة وتفردانه، تطويانه وتفردانه، كمن يطوى رسالة لا تنتهى.
ولم يعرف يوسف وجهها. ثم رأى عينيها حين التفتت، واسعتين، فعرفه.
جلس على كرسى قريب منها. وكان فى صدره كلام كثير أعده فى الطريق: اعتذار، وشرح، وحكاية عن هاكوب وقاعدته، وعن الأقساط والتجار. ولم يقل منه شيئاً. فقد أدرك، وهو يجلس أمام هذه المرأة التى لا تعرفه، أن الاعتذار لمن نسى إساءتك ليس اعتذاراً، بل طلب مريح للخلاص، وأنه لا يملك الحق فيه.
فك ورق الجرائد بأصابع بطيئة، ووضع الإطار فى حجرها.
نظرت إحسان إلى الصورة طويلاً. ولم يتغير وجهها. ثم رفعت يدها المرتعشة، وأشارت بإصبعها إلى العروس الجالسة على الكرسى المذهب، وقالت بصوت رقيق محايد، كمن يسأل عن ثمن الطماطم:
«مين البنت الحلوة دى؟»
ولم يجب أحد. وكانت نهى قد وضعت يدها على فمها.
ثم انتقل إصبع إحسان، ببطء، من وجه العروس إلى وجه الشاب الواقف خلفها. وتوقف هناك. واستقر. ورأى يوسف شيئاً يتحرك فى وجهها، كما تتحرك الصورة فى حوض التحميض: ظل، ثم ملمح، ثم ابتسامة صغيرة، مائلة، تشبه ابتسامة الشاب نفسه.
وقالت:
«ده عبد الفتاح. إيده لسه فيها بوية.»
لوحة ثامنة: الباقى
لم يعرف أحد فى الصالة ماذا يفعل بجسده. وقف سيد. لم يقرر أن يقف، لكنه وجد نفسه واقفاً، والريموت فى يده، والمباراة القديمة تدور على الشاشة بلا صوت. ومشى خطوتين، ثم خطوتين، كما يمشى رجل على سطح مركب، ووقف خلف كرسى أمه، ونظر من فوق كتفها إلى الصورة.
ثلاثة وخمسون عاماً.
كان يوسف قد صور فى حياته آلاف الوجوه فى لحظاتها القصوى: عرائس يرتجفن، وآباء يحملون مواليدهم الأولى بأيد لا تعرف كيف تحمل، وأرامل يطلبن تكبير صورة شخصية قديمة لتعلق فى السرادق. لكنه لم يرَ قط وجهاً كوجه سيد فى تلك اللحظة. لم يكن حزناً، ولا فرحاً. كان شيئاً أقرب إلى الذهول، ذهول رجل نظر فى مرآة طوال عمره فلم يرَ إلا نفسه، ثم اكتشف فجأة أن المرآة كانت نافذة، وأن أحداً كان يقف خلفها طوال الوقت.
مد سيد يده الغليظة، التى صلبها مقود الميكروباص ثلاثين عاماً، ولمس الزجاج فوق وجه الشاب بطرف إصبع واحد، كمن يلمس جرحاً ليتأكد أنه التأم.
وقال، بصوت لم يكن صوته:
«أنا اللى شبهه. طول عمرى بيقولوا لى إنت شبه أبوك، وأنا مش عارف أبويا شكله إيه. كنت بصدقهم وخلاص.»
ثم جلس على الأرض، عند قدمى أمه، كما يجلس الأطفال، وأسند ظهره إلى ركبتيها، وظل ينظر إلى الإطار فى حجرها. ولم يمسح وجهه.
ومدت إحسان يدها، دون أن تنظر إليه، ووضعتها على رأسه الأشيب، كما توضع اليد على رأس طفل غريب يجلس قريباً، بحنان عام، لا يعرف لمن هو. ولم يتحرك سيد. ترك اليد هناك.
ثم حدث ما لم يتوقعه أحد.
رفعت إحسان يدها عن رأس ابنها، والتفتت إلى يوسف. وكانت فى عينيها، للحظة واحدة، وضوح غريب، كأن نافذة فى بيت مهجور فُتحت فجأة لتهوية الحجرات. وقالت بنبرة امرأة تذكرت موعداً:
«إنت الأستاذ يوسف بتاع الاستوديو.»
ولم يستطع يوسف أن يجيب. أومأ برأسه فقط.
قالت: «استنى.»
ونهضت، بصعوبة، متكئة على كتف ابنها، ورفضت يد نهى، ومشت بخطوات صغيرة إلى حجرة داخلية. وسمعوا صوت دولاب يُفتح بصرير طويل، ثم صوت درج، ثم صمتاً. ثم عادت، وفى يدها منديل قماشى أبيض مطرز الأطراف بخيط أزرق، معقود من أطرافه الأربعة عقدة محكمة كعقد الجدات اللاتى لا يثقن فى الجيوب.
جلست، ووضعت المنديل على الإطار، وفكت العقدة بأصابع عرفت طريقها أكثر مما عرفت صاحبتها طريقها. وكان فى المنديل ورقة نقدية من فئة الجنيه، بنية خضراء، ناعمة كالقماش من كثرة الطى، عليها صورة جامع قديم، ثم ورقة ثانية، ثم ثالثة. وورقة صغيرة من فئة الخمسين قرشاً، باهتة كوجوه الفاترينة.
ثلاثة جنيهات ونصف.
ومدت إحسان المنديل نحو يوسف، بالحسم نفسه الذى يمد به الناس الحساب على الشباك، وقالت:
«الباقى. قلت لك هجيبه.»
وانقطع شىء فى صدر يوسف القليوبى كما ينقطع الخيط فى بكرة الفيلم القديمة، بصوت صغير جاف لا يسمعه أحد غير صاحب الكاميرا.
كانت قد جمعت المبلغ. ربما فى الشهر نفسه، أو بعد موت عبد الفتاح، من خياطة أو غسيل أو بيع خيار. وعقدته فى منديل، ووضعته فى الدولاب، ثم لم تجد فى نفسها الشجاعة لتعود إلى الاستوديو مرة رابعة وتقف أمام الشاب الذى دفع حلقها بطرف قلمه. أو جاءت الحياة بما يشغل عن الصور: يتيم فى السنة الثانية، وإيجار، ومرض، وأيام تلد أياماً. وظل المنديل فى الدولاب خمسين عاماً، يحفظ مبلغاً لم يعد يشترى اليوم كوب شاى فى مقهى الميدان، وظلت هى تحفظ الدَّين، حتى بعد أن نسيت كل شىء آخر: اسم ابنها، ووجهها هى فى المرآة.
أراد يوسف أن يقول لا. أراد أن يقول إن الحساب خالص، وإن الدين عليه هو، وإنه هو الذى يجب أن يدفع، لا هى. ثم نظر إلى وجهها، إلى الوضوح الغريب الذى بدأ يغيم فيه من جديد كزجاج تتنفس عليه الرطوبة، وفهم أن الرفض سيكون آخر قسوة يرتكبها فى حقها. وأن هذه المرأة لم تحتفظ بالجنيهات الثلاثة ونصف كل هذه السنين لكى يردها إليها رجل لا تعرفه.
فمد يده، وأخذ المنديل. وقال، بصوت مبحوح، الجملة التى لم يقلها لأحد فى حياته المهنية كلها:
«خالص يا حاجة. متشكر.»
وأومأت إحسان برضا، رضا امرأة أغلقت حساباً قديماً فى دفتر لا يراه غيرها. ثم التفتت إلى الشباك، إلى الحارة، إلى الأرنب فى القفص، وعادت يداها إلى طرف الطرحة، تطويانه وتفردانه.
ولم تنظر إلى الصورة مرة أخرى.
لوحة تاسعة: آخر حساب
فى اليوم الأخير من الشهر جاء عمال شركة الموبايلات فى السابعة صباحاً، بأوراق وشريط قياس أصفر ومطرقة، ووقفوا فى الشارع ينتظرون، يدخنون وينظرون إلى اللافتة الأرمنية كما ينظر الأحياء إلى شاهد قبر بلغة لا يقرؤونها.
وكان يوسف قد قضى الليل كله فى الاستوديو مع كريم. لفّا الخلفيات المرسومة، وطوياها كما تُطوى الأعلام عن نعوش الجنود، وأرسلا البحيرة السويسرية وبرج إيفل إلى رجل فى الحسين يؤجر الملابس والخلفيات لمصورى السياح. وحمل كريم الكاميرا الخشبية إلى بيته، لأن يوسف رفض أن يبيعها، وقال إنه لا يبيع شيئاً صوّر الناس. وفكّا اللمبة الحمراء من غرفة التحميض، ووضعها يوسف فى جيبه دون أن يقول لماذا.
ثم بقى درج الأمانات.
لم يصوره كريم بالموبايل، ولم يضعه على الصفحة. فقد اقترح يوسف شيئاً آخر، شيئاً قديماً كالاستوديو نفسه. فأفرغا الفاترينة من الوجوه الباهتة، ورصّا فيها المظاريف البنية كلها، متجاورة، متلاصقة، مفتوحة قليلاً بحيث يطل من كل مظروف طرف وجه: عين، أو جبين، أو طرف طرحة، أو كتف فى بدلة واسعة. مئات الأطراف من مئات الوجوه، كجمهور ينظر إلى الشارع من نافذة قطار. وكتب يوسف بخطه، بالقلم العريض، على ورقة مقوى كبيرة ألصقها فى أعلى الزجاج:
«صور لم يسأل عنها أصحابها. تُسلّم لمن يعرف وجهه أو وجه أهله. الحساب خالص.»
ثم أعطى كريم مفتاحاً صغيراً، وقال له إن الشركة وعدت أن تترك الفاترينة شهراً قبل أن تهدمها، وإنه يأتمنه على الوجوه حتى ذلك الحين.
ولم يكد ضوء الفجر يلمس الزجاج حتى توقفت أمام الفاترينة امرأة فى الستين، فى عباءة سوداء، تحمل كيس خبز ساخن يتصاعد منه البخار. نظرت إلى المظاريف طويلاً، ثم انحنت حتى كاد أنفها يلمس الزجاج، ثم نقرت عليه بإصبعها نقرتين، وقالت بصوت عال لم تقصده: «ده أخويا حمدى. ده حمدى وهو بيطلع العسكرية!» ودخلت، ولم تسأل عن الثمن، ولم يقل لها أحد ثمناً. وخرجت بالمظروف مضموماً إلى صدرها مع الخبز، ومشت فى الشارع وهى تكلم أحداً فى هاتفها وتبكى وتضحك، والبخار يتصاعد من الكيس كأنها تحمل شيئاً ما يزال حياً.
وفى الصباح، قبل أن يُدخل العمال، وقف يوسف لحظة أمام الإطار القديم على حائط المدخل، الإطار الذى فيه القرش النحاسى الأخضر: «أول قرش – ١٩٣٨ – هاكوب». ونزعه عن مسماره بحرص. ثم أخرج من جيب سترته الداخلى المنديل الأبيض المطرز بالأزرق، ففك عقدته، وأخذ الأوراق الأربع، الجنيهات الثلاثة والخمسين قرشاً، وفتح ظهر الإطار، ووضعها إلى جوار القرش، تحته تماماً، ثم كتب على ورقة صغيرة بخطه الذى صار يرتجف قليلاً، وألصقها تحت كلمة هاكوب:
«آخر حساب – ٢٠٢٦ – يوسف».
ونظر إلى الإطار طويلاً. القرش الأول الذى بدأ به المعلم كل شىء، والجنيهات الأخيرة التى أنهى بها التلميذ كل شىء. وكان يعرف، كما يعرف كل تاجر قديم، أن أول قرش يُعلق للتفاؤل، لأنه وعد بما سيأتى. وفكر أن آخر حساب يُعلق لسبب آخر، لا يعرف له اسماً بعد، لكنه يشبه الندم ولا يشبهه، ويشبه الغفران ولا يستحقه. ووضع الإطار تحت إبطه، كما حمل الصورة إلى زينهم، وخرج.
ودخل العمال من خلفه، وسمع المطرقة الأولى تهوى على شىء خشبى، فلم يلتفت.
كان الشارع قد استيقظ. بائع الطراشى يرص البراميل، والمكوجى يرش القمصان، وأطفال المدارس يمرون بمرايلهم الزرقاء وحقائبهم الثقيلة كظهور السلاحف. وفى أول الشارع، عند الميدان، كانت زفة صباحية صغيرة تتحرك من بيت عروس إلى سيارة مزينة بالورد الصناعى والشرائط: طبلة، ومزمار، وزغاريد، وشباب يرقصون بالعصى، وفوقهم جميعاً، مرفوعة فى الأيدى، عشرات الهواتف المضيئة تصور كل شىء، وطائرة صغيرة تطن فوق الرؤوس كذبابة كبيرة من الصلب.
ووقف يوسف على الرصيف ليفسح لها الطريق، والإطار تحت إبطه. ومر بجانبه شاب يصور الزفة بهاتفه وهو يمشى إلى الوراء، فاصطدم به خفيفاً، وقال «آسف يا حاج» دون أن ينظر، ومضى. وفى تلك اللحظة، رأى يوسف وجهه على شاشة الهاتف المرفوع، لثانية واحدة: رجل عجوز أصلع إلا من إكليل أبيض، عيناه ضيقتان، يحمل تحت إبطه شيئاً ملفوفاً، ويقف على الرصيف أمام فاترينة مليئة بالمظاريف البنية.
ثم انزلقت الكاميرا إلى العروس، وإلى الورد، وإلى الطبلة، ومضت الزفة.
وعرف يوسف القليوبى، وهو يمشى نحو الحلمية والإطار تحت إبطه، أن وجهه الآن محفوظ فى مكان ما، بين ثلاثين ألف صورة فى هاتف شاب لا يعرف اسمه، صورة لم يطلبها، ولن يطالب بها، ولن يدفع أحد حسابها، ولن يحمّضها أحد فى ضوء أحمر، ولن تقول عنه إلا أنه كان هنا، فى هذا اليوم، بهذا الوجه، يقف فى طريق الفرح.
قصة من تأليفنا: أحداثها وشخصياتها من وحى الخيال.



