لوحة أولى: أحدث دكان فى الحارة
فى درب الأتراك، ذلك الممر الحجرى الضيق الذى يلتف خلف الجامع الأزهر كما يلتف شال قديم حول كتفى شيخ، حيث تتقارب المشربيات فوق الرؤوس حتى تكاد تتصافح، ويمر الضوء إلى الأرض شريطاً رفيعاً كأنه يستأذن، كان دكان «الوراقة الحديثة» يقف منذ اثنين وتسعين عاماً. ولم يكن فى الحارة كلها، بشهادة أهلها، دكان أقدم منه. فقد جرت عادة المصريين أن يسموا الأشياء بما يتمنونه لها لا بما هى عليه، فيسمون البنت الضعيفة «قوية»، والولد الذى يولد فى سنة قحط «سعيد»، ويكتبون على دكان افتُتح فى زمن الطرابيش «الحديثة»، ثم يتركون للزمن أن يتولى السخرية نيابة عنهم.
كانت الواجهة خشبية بضلفتين، مطلية بلون زيتى غامق تشقق فى مواضع كثيرة فصار يشبه جلد كتاب عتيق، وفوقها لافتة من الزجاج الأسود كُتب عليها بماء الذهب وبخط الثلث: «الوراقة الحديثة – عبد الغنى الوراق وأولاده – تجليد وتذهيب – تأسست ١٩٣٤». وقد سقط الذهب عن آخر الحروف، فصارت «وأولاده» تُقرأ من بعيد «وأولا»، كأن اللافتة نفسها بدأت جملة ولم تجد الشجاعة لإكمالها.
وفى الداخل عالم يضيق على نفسه. رفوف من خشب الزان تصعد حتى السقف، محملة بكتب تنتظر أصحابها، وأخرى تنتظر من يشتريها، وثالثة لا تنتظر شيئاً. وفى الوسط، كوحش حديدى نائم، مكبس أسود ضخم له عمود لولبى غليظ وذراع على هيئة صليب، كان أهل الحارة يسمونه «الجاموسة» لأنه لا يعمل إلا ببطء ولا يتعب أبداً. وإلى جواره طاولة طويلة مكسوة بالزنك، عليها أدوات الصنعة مرصوصة كجنود فى طابور: مطارق صغيرة برؤوس مستديرة، وإبر طويلة معقوفة، وبكرات خيط كتان، وسكاكين بمقابض ملفوفة بالدوبارة، وعظمة بيضاء ملساء لطى الورق تآكل طرفها من كثرة ما مرت على الحواف. وفى الركن موقد صغير فوقه غلاية نحاسية للغراء، ما يزال فى قاعها غراء متجمد بلون العسل المحروق، ورائحته، رائحة العظم والصبر، تسكن الدكان كما يسكن البخور الأضرحة.
وعلى الجدار الخلفى، فوق الطاولة، رف صغير لا يشبه سائر الرفوف. خشبه أغمق، وعليه ستارة رقيقة من القماش الأخضر، وفيه سبعة كتب لا أكثر، مجلدة بالجلد البنى والأحمر، على كعوبها زخارف ذهبية دقيقة كأنها كُتبت بالضوء. وكان هذا «رف المعلم»، رف المؤسس عبد الغنى الوراق، وله قاعدة واحدة ورثها الابن عن الأب كما يرث الاسم: «رف المعلم ما يتباعش».
وفى صباح من أيام أكتوبر، بعد أربعين يوماً بالتمام من وفاة الحاج فؤاد عبد الغنى الوراق، وقفت حفيدته سلمى فى وسط الدكان، تحمل المفتاح الحديدى الكبير الذى ورثته مع الدكان، وتنظر حولها كما ينظر المرء إلى غرفة امتلأت بأثاث لا يعرف أين يضعه.
كانت فى الحادية والثلاثين، طويلة نحيلة، تعقص شعرها الأسود إلى الوراء بمشبك من البلاستيك، وتلبس بنطالاً من الجينز وقميصاً أبيض واسعاً، وعلى كتفها حقيبة فيها حاسوب محمول لم يفارقها منذ تخرجت. وكانت تعمل مصممة واجهات فى شركة برمجيات فى التجمع الخامس، تصمم للناس شاشات يقلبونها بأصابعهم، وأزراراً يضغطون عليها دون أن يفكروا، وتعرف أن أنجح التصميمات هو الذى لا يلاحظه أحد. ولم يخطر لها قط أن جدها كان يقول الشىء نفسه عن التجليد الجيد.
ولم تكن قد دخلت الدكان فى السنوات الأخيرة إلا مرات قليلة، فى الأعياد، تجلس دقائق على الكرسى الخشبى الواطئ عند المكبس، وتشرب الشاى الذى يأتى به عم بيومى من الدكان المجاور، وتنظر فى هاتفها، بينما يحدثها جدها عن الورق كما يحدث الآخرون عن الطقس. وكانت فى طفولتها تأتى كل يوم تقريباً، ثم كبرت، والأطفال حين يكبرون يتركون أماكن طفولتهم كما يتركون ثيابها، دون أن يشعروا أنهم تركوا شيئاً.
وكانت آخر كلمات قالها جدها، فى سريره، وقد صار صوته رقيقاً كورقة مبللة:
«ألف ليلة اللى على رف المعلم… كعبها اتفك يا سلمى. جلّديها إنتى. بإيدك. ماتودّيهاش لحد.»
وقالت له يومها «حاضر يا جدو»، كما يقول الناس «حاضر» للمرضى، وهم يعنون: نم.
لوحة ثانية: ملزمة وملازم
جاء الأستاذ مجدى فى الحادية عشرة كما وعد، ومعه رائحة عطر ثقيل وصوت أثقل. رجل فى الخمسين، ممتلئ، أنيق أناقة من اشترى ملابسه كلها فى يوم واحد، صاحب «مكتبة ومطبعة النجاح» فى الشارع الكبير، التى تطبع للطلبة ما يسميه أهل التعليم «الملازم»: كتيبات رقيقة بأغلفة لامعة، عليها صور مدرسين يبتسمون ابتسامة المنتصرين، وعناوين من قبيل «المراجعة النهائية» و«ليلة الامتحان» و«الخلاصة فى عشر ورقات».
وقف فى الباب ينظر إلى الرفوف العالية، وقال وهو يقيس المكان بعينيه:
«ماشاء الله، العمق كويس. الرفوف الخشب دى هنشيلها كلها ونحط رفوف حديد. المكان هيشيل عشرين ألف ملزمة بالراحة. موسم الامتحانات قرّب يا أستاذة، والطلبة مابتستناش.»
وكانت سلمى قد سمعت الكلمة آلاف المرات، لكنها لم تسمعها قط كما سمعتها فى تلك اللحظة، فى هذا المكان. فقد كان جدها يستعمل الكلمة نفسها، «الملزمة»، بمعنى آخر تماماً: الورقة الكبيرة التى تُطوى مرة ومرتين وثلاثاً حتى تصير ست عشرة صفحة، ثم تُرص الملازم فوق بعضها وتُخاط معاً، فيولد الكتاب. ملزمة الوراق جزء من كتاب لا يعيش وحده، وملزمة الأستاذ مجدى بديل عن الكتاب، تعيش وحدها، وتموت فى اليوم التالى للامتحان تحت أقدام الطلبة على سلالم اللجان. وكان فى الفرق بين المعنيين، لو تأمله أحد، تاريخ كامل لما جرى للقراءة فى هذا البلد: أننا بدأنا نطوى الورق لنصنع كتباً، وانتهينا نطوى الكتب لنصنع ورقاً.
ولم تقل سلمى شيئاً من ذلك. قالت:
«الخميس الجاى نمضى إن شاء الله. بس عايزة أخلّص حاجة الأول.»
«براحتك خالص. بس الخميس يعنى الخميس، علشان عندى بضاعة جاية من المطبعة.»
وخرج، ودخل عم بيومى بالشاى، كأنه كان ينتظر خلف الباب.
كان عم بيومى بائع كتب قديمة فى الدكان الملاصق منذ ستين عاماً، رجلاً فى الحادية والثمانين، قصيراً ضئيلاً، له وجه ناعم مستدير كوجه طفل شاخ فجأة، ونظارة سميكة مربوطة خلف أذنيه بخيط أسود، وعادة لا يتخلى عنها: أن يقرأ عنوان كل كتاب يقع تحت يده بصوت مسموع، كأنه يرحب به. وكان قد أحب جدها حب الجيران الذين اقتسموا الحائط والمطر والزبائن نصف قرن، وكان يوم الدفن أكثر الرجال بكاءً، يبكى بلا صوت ونظارته فى يده.
وضع الشاى على الطاولة، ونظر إلى المكبس، وقال:
«هتبيعى الجاموسة كمان؟»
«مش عارفة يا عم بيومى. مين هيشتريها؟»
«محدش. علشان كده بسأل.» ثم سكت، وأضاف: «جدك كان بيقول المكبس ده عمره ما اشتغل لحد غريب. كان لما يلفّه يقول له: يلا يا حاج، كأنه بيكلم أبوه.»
وابتسمت سلمى ابتسامة صغيرة، وشربت الشاى، ونظرت إلى الستارة الخضراء فوق الرف الخلفى. ثم قامت، وأزاحتها، وأخرجت الكتاب.
كان مجلداً سميكاً بحجم الكف المبسوطة مرتين، مكسواً بجلد بنى داكن صار عند الحواف بلون التبغ، وعلى وجهه إطار من زخرفة ذهبية تتشابك فيها الأغصان والنجوم الصغيرة، وعلى كعبه بالذهب: «ألف ليلة وليلة – الجزء الأول». وكان الكعب قد انفصل عن الجسد من أعلاه، ووقف كضلفة باب مخلوعة، تطل من تحتها خيوط الخياطة القديمة كأعصاب مكشوفة. ولما فتحته رأت الطبعة القديمة الصفراء، بحروفها المتلاصقة وحواشيها الضيقة، وشمّت رائحتها، تلك الرائحة التى لا تشبه شيئاً إلا نفسها، والتى يقول عنها المجلدون إنها رائحة الزمن حين يُطوى.
قالت لعم بيومى:
«أنا مش فاهمة حاجة فى ده خالص. بس وعدته.»
«الوعد ده الملزمة الأولى يا بنتى. والباقى بيتخيّط عليه.»
لوحة ثالثة: ما تحت الجلد
فى تلك الليلة لم ترجع سلمى إلى شقتها فى المقطم. أغلقت الضلفتين من الداخل، وأشعلت اللمبة الصفراء المتدلية فوق الطاولة، وفتحت حاسوبها، وكتبت فى خانة البحث بالإنجليزية كلمتين: «إصلاح كعب كتاب».
وظهرت لها عشرات المقاطع. رجل إنجليزى بلحية بيضاء، فى ورشة نظيفة كغرفة عمليات، يشرح ببطء مهذب كيف يُفك الكتاب القديم دون أن يُجرح. وجلست سلمى تتعلم صنعة جدها، وصنعة أبى جدها، من رجل فى لندن لم يسمع قط بدرب الأتراك. وفكرت، بمرارة صغيرة لم تعرف من أين جاءت، أن هذا ما يحدث للصنعات فى بلادنا: تموت فى الحارة، ثم تُبعث فى بلد آخر، ثم تعود إلينا على الشاشة مترجمة، فنتعلمها كأنها اختراع أجنبى، وندفع ثمن الترجمة.
وبدأت. بالسكين الصغيرة ذات المقبض الملفوف رفعت الجلد عن الكعب ببطء، كما يُرفع ضماد عن جرح قديم. ثم قطعت الخيوط المتآكلة واحداً بعد واحد، فانفصلت الملازم القديمة كأوراق شجرة فى الخريف، فرصتها على الطاولة بترتيبها، ووضعت فوقها ثقلاً من الحديد. وكانت أصوات الحارة فى الخارج تخفت شيئاً فشيئاً: يُنزل آخر بائع كتب بابه الحديدى بصوت كرعد صغير، ويمر بائع البطاطا بعربته ونارها البرتقالية تلمع فى العتمة كعين ساهرة، ثم تأتى من الأزهر، قريبة واضحة، تلاوة صلاة العشاء، كأن الجامع يقرأ على الحارة قبل أن تنام.
ثم جاء دور الدفتين.
كانت الدفتان، أى اللوحان الصلبان اللذان يحملان الجلد، سميكتين على غير العادة. وكان الرجل الإنجليزى قد قال إن المجلدين القدامى، فى الشرق والغرب جميعاً، لم يكونوا يشترون الكرتون، بل يصنعونه بأيديهم من ورق مستعمل يلصقونه طبقة فوق طبقة حتى يتصلب: فواتير قديمة، وصفحات جرائد، ومسودات، وكل ما لم يعد يُقرأ. وقال إن المرممين يجدون أحياناً فى أغلفة الكتب القديمة ما لا يجدونه فى الكتب نفسها.
فبللت سلمى قطعة قماش بالماء الدافئ، ووضعتها على باطن الدفة الأولى، وانتظرت، ثم أخذت تفصل الطبقات بطرف العظمة البيضاء، طبقة بعد طبقة. ورقة من جريدة قديمة فيها إعلان عن مسحوق غسيل يغسل «أبيض من الأبيض». ثم صفحة من دفتر حساب بخط يد: «ثلاث نسخ مصاحف – تذهيب – ١٢ قرش». ثم ورقة مطوية، لم تكن ملصقة بالغراء كسائر الطبقات، بل محشورة بينها بعناية، كأن أحداً وضعها هناك ثم أغلق عليها الباب.
فتحتها بأصابع حذرة. ورقة مسطرة من كراسة مدرسية، صفراء، مطوية أربع طيات، مكتوبة بحبر أزرق صار رمادياً، بخط صغير مائل، خط تلميذة مجتهدة:
«١٢ أغسطس ١٩٥٩
يابا،
أنا اللى جلّدت ألف ليلة دى. وأنا اللى جلّدت المصاحف السبعة بتوع الحاج عزت، والكتب الفرنساوى اللى الخواجة قال عليها أحسن من شغل باريس، وإنت فرحت وقلت للحارة كلها: دى إيد عبد الغنى. كنت بنزل الدكان بعد ما تنام، وفؤاد ماسك لى اللمبة. سنتين. ماكانش قصدى أكدب عليك، كان قصدى أشتغل.
بكرة كتب كتابى، وبعده هروح شبرا ومش هرجع الدكان. كنت عايزة أقول لك قبل ما أمشى إن الصنعة اللى إنت بتقول عليها ماتنفعش للبنات، أنا اتعلمتها من عينيك وإنت مش واخد بالك.
مش هبعت لك الجواب ده. هحطه جوه جلدة الكتاب ده، على رفك. يمكن ييجى يوم الكتاب يتفك ويتجلّد من جديد، واللى يفكه، أياً كان هو، يعرف إن الدكان ده كان فيه بنت.
بنتك زينب»
وقرأته سلمى مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة. ولم تكن تعرف فى العائلة امرأة اسمها زينب. لم يذكرها جدها قط. لم تكن فى صور البيت، ولا فى حكايات العيد، ولا بين النساء اللاتى جلسن فى العزاء.
ثم توقفت عند كلمتين فى السطر الأخير، فأحست بشىء يسرى فى ظهرها كالماء البارد: «أياً كان هو». فقد افترضت زينب، وهى فى الثامنة عشرة، أن الذى سيفك الكتاب رجل.
لوحة رابعة: السنبلة
جاء عم بيومى فى الصباح بالشاى، فوجدها نائمة على الكرسى الواطئ، ورأسها على الطاولة، والورقة الصفراء تحت يدها، وحولها ملازم ألف ليلة مرصوصة كأوراق لعب فى دور لم ينته.
قرأ الورقة واقفاً. وقرأها بصوت مسموع على عادته، لكن صوته انخفض عند كل سطر، حتى صار عند التوقيع همساً. ثم جلس على حافة المكبس، وخلع نظارته، ومسحها بطرف جلبابه طويلاً، أطول مما يحتاجه الزجاج.
«زينب.» قالها كمن ينادى أحداً فى حجرة مجاورة. «الست زينب بنت المعلم. أنا كنت عيل صغير شايل الكتب لأبويا لما كانت بتعدى من هنا رايحة المدرسة. كانت تقف قدام الفاترينة وتبص على الجلد المدهّب، تبص كده…» ورفع يده يحاكى نظرة لم تكن عينه وحدها تكفى لحكايتها. «ماكانتش بتبص زى البنات للفساتين. كانت بتبص زى الصنايعى للشغلانة.»
«وراحت فين يا عم بيومى؟ جدو عمره ما جاب سيرتها.»
ونظر عم بيومى إلى الأرض، وتنهد تنهيدة من يعرف أن الحكاية التى سيرويها ليست حكايته، لكنه آخر من بقى ليرويها.
«اتجوزت. ابن خياط من شبرا، راجل طيب على ما سمعت. وبعد ما المعلم عبد الغنى مات، سنة خمسة وسبعين، العيلة قعدت، والكبار قالوا: الدكان مايتقسمش، الدكان للولد، والبنت ليها جوزها. وجابوا ورقة، ومضّت زينب على التنازل. ما قالتش ولا كلمة. ومن يومها ما دخلتش درب الأتراك. وجدك…» وسكت، ثم قال: «جدك كان راجل طيب يا سلمى، بس الطيبين ساعات بيمضوا على حاجات مش بتاعتهم ويقولوا: أصل ده العرف.»
ثم أعاد النظارة إلى عينيه، ومد يده إلى الدفة المفتوحة، وقلبها، ونظر إلى ركن الجلد من الداخل، حيث ينثنى الجلد على حافة الكرتون، وقال:
«بصى هنا.»
ونظرت سلمى. وفى الركن الأيسر الأسفل، صغيرة جداً، أصغر من ظفر الإصبع الصغير، مضغوطة فى الجلد بأداة ساخنة، كانت هناك سنبلة. سنبلة قمح بسيقان دقيقة وحبات مصفوفة كخرز صغير، لا يراها إلا من يبحث عنها.
«دى علامتها. كانت بتختم بيها كل كتاب تجلّده، فى حتة مايشوفهاش المعلم. أنا عرفت السر ده من أبويا، وأبويا عرفه من أسطى كان شغال عندكم. الحارة كلها تقريباً كانت عارفة، والوحيد اللى ماكانش عارف صاحب الدكان.» وضحك ضحكة قصيرة حزينة. «زى ما يكون الواحد آخر من يقرا اللى مكتوب على جلدة كتابه.»
وظلت سلمى تنظر إلى السنبلة الصغيرة، وفى رأسها شىء يحاول أن يصعد إلى السطح ولا يقدر، كاسم على طرف اللسان. كانت قد رأت هذه السنبلة من قبل. تعرفها. تعرف ملمسها تحت إصبعها، كما يعرف الإنسان ندبة فى جسده لا يذكر متى أصابته.
ثم تذكرت.
فقامت، وأخذت حقيبتها، وخرجت من الدكان دون أن تغلق الباب، وعم بيومى يناديها من خلفها، والشاى يبرد على الطاولة.
لوحة خامسة: كتب تالتة ابتدائى
كانت الكرتونة فى أعلى دولاب حجرتها فى شقة المقطم، حيث حفظت أمها، قبل أن تسافر لتعيش مع زوجها الثانى فى الخليج، كل ما ترى أنه لا يُرمى ولا يُستعمل: شهادات الميلاد، وصور الحضانة، وكتب المدرسة.
أنزلتها سلمى، ونفضت عنها الغبار، وفتحتها، فخرجت منها رائحة طفولتها كاملة: ورق الكراريس، وبقايا ممحاة على شكل فراولة، وغلاف بلاستيكى أزرق صار هشاً كجناح فراشة ميتة. وتحت ذلك كله، مرصوصة بالسنين، كتبها المدرسية، من الصف الأول الابتدائى حتى الثالث الثانوى.
ولم تكن كتباً عادية. كانت تعرف ذلك منذ طفولتها، وتعرف أن زميلاتها كن يحسدنها عليها. ففى أول كل عام دراسى كانت تأخذ كتب الوزارة، بأغلفتها الرقيقة التى تتمزق قبل منتصف الترم، وتعطيها لجدها، فيختفى بها أسبوعاً، ثم يعيدها إليها وقد صارت شيئاً آخر: مجلدة بالقماش المتين، بلون لكل مادة، الأزرق للعربى، والأخضر للعلوم، والأحمر للحساب، وعلى الكعب اسمها بحروف ذهبية صغيرة: «سلمى ممدوح». وكانت المدرّسات يمسكن كتبها ويقلبنها ويسألن: «ده شغل مين ده؟» فتقول بفخر الأطفال: «شغل جدو.»
فتحت كتاب القراءة للصف الثالث الابتدائى. وقلبت الغلاف، ومررت إصبعها على الركن الأيسر الأسفل من الداخل، حيث ينثنى القماش على الكرتون.
كانت هناك.
سنبلة صغيرة، بحبات مصفوفة كخرز، مضغوطة فى القماش. وفتحت الكتاب الذى بعده، والذى بعده. وفى كل كتاب، فى الركن نفسه، السنبلة نفسها. اثنتا عشرة سنة، وأكثر من مائة وخمسين كتاباً، وفى كل منها سنبلة، كتوقيع امرأة لا تريد أن يعرفها أحد، ولا تحتمل أن تختفى تماماً.
وجلست سلمى على أرض الحجرة بين كتبها المفتوحة، وتذكرت ما كانت تحسبه تفصيلاً لا معنى له: أن جدها لم يكن يجلد كتبها فى الدكان أبداً. كان يلفها فى ورق الجرائد، ويربطها بالدوبارة، ويخرج بها فى الصباح، ويغيب نصف يوم، ثم يعود بلا شىء، وبعد أسبوع يعود بالكتب. وحين سألته مرة، وهى فى الخامس الابتدائى، لماذا لا يجلدها فى الدكان مثل سائر الكتب، قال: «علشان كتبك يا سلمى لازم تتعمل فى حتة هادية.» وصدقته، كما يصدق الأطفال كل ما يقوله الكبار وهم يبتسمون.
ورجعت إلى الدكان بعد الظهر، وكان عم بيومى قد أغلق بابه بنفسه وجلس ينتظرها على عتبته. وبحثت فى درج جدها، تحت الطاولة، عن دفاتر الحساب، فوجدتها مرصوصة بالسنين، مجلدة كلها بالقماش الأسود، فأخذت دفتر سنة ألفين وواحد، وقلبته حتى سبتمبر.
ووجدت السطر، بخط جدها المستقيم الصارم، بين حساب تجليد رسائل جامعية وتذهيب مصحف:
«كتب سلمى – أولى ابتدائى – ١٢ كتاب – شبرا، عند ز. – المدفوع: ١٥٠ جنيه.»
وتحته عنوان مكتوب بالقلم الرصاص، كأن كاتبه لا يريد له أن يثبت: «حارة الشيخ عطية، متفرعة من شارع الترعة البولاقية، البيت اللى قدامه شجرة التوت.»
وأخذت الدفاتر تتوالى. فى كل سبتمبر السطر نفسه، والحرف نفسه: «ز.». والمبلغ يزيد قليلاً كل عام، كأن الرجل كان يرفع أجرة لا تطلبها صاحبتها. حتى دفتر سنة ألفين واثنتى عشرة، حين أنهت سلمى الثانوية العامة. وتحت السطر الأخير، بالقلم الرصاص نفسه، كلمتان فقط:
«البنت كبرت.»
ولم تعرف سلمى لمن كتبهما جدها: لنفسه، أم لزينب، أم للدفتر. لكنها جلست تحت اللمبة الصفراء تنظر إليهما طويلاً، وتفكر أنها فى ذلك العام بالذات، العام الذى كبرت فيه، توقفت عن المجىء إلى الدكان.
لوحة سادسة: البيت الذى قدامه شجرة التوت
كانت شبرا فى العصر تغلى غليانها المعتاد، غليان حى يسكنه من الناس أكثر مما تحتمله شوارعه، ومن الحكايات أكثر مما يحتمله الناس. شارع طويل لا ينتهى، تصطف على جانبيه عمارات قديمة ببلكونات حديدية مزخرفة، علقت فيها البيوت غسيلها كأعلام دول صغيرة، وتحتها محلات الأقمشة والأحذية والحلويات الشرقية، وباعة يفرشون على الرصيف كل ما يمكن أن يُباع، من مشابك الغسيل إلى أغطية الهواتف. وكانت أجراس كنيسة قريبة تدق، ويرد عليها من مئذنة أخرى أذان العصر، والناس يمرون بين الصوتين كما يمر الأبناء بين أبوين يتحدثان معاً.
ووجدت الحارة بعد أن سألت ثلاثة، ودلها الرابع، وكان صبياً على دراجة، على البيت قبل أن تكمل السؤال: «الست زينب بتاعة الكراريس؟ هناك، اللى قدامه التوتة.»
كان بيتاً من ثلاثة أدوار، صغيراً، طلاؤه أبيض صار رمادياً، تتكئ على واجهته شجرة توت عجوز يدخل فرعها الأكبر إلى بلكونة الدور الأول كأنه من أهل البيت. وتحت الشجرة، على البلاط، ثمار توت سقطت وتركت بقعاً بنفسجية كأختام صغيرة.
وصعدت السلم الضيق، وطرقت الباب، ففتحت لها فتاة فى نحو الخامسة عشرة، بمريلة مدرسية وضفيرة طويلة، تمسك فى يدها كراسة مجلدة بقماش أخضر. نظرت إليها الفتاة بفضول، ثم نادت إلى الداخل: «يا تيتة، فيه واحدة عايزاكى.»
وكانت الحجرة التى دخلتها سلمى نصفها حجرة جلوس ونصفها ورشة. كنبة قديمة مكسوة بقماش مشجر، ومنضدة صغيرة عليها صينية شاى، وجهاز تليفزيون مغطى بمفرش من الكروشيه. ثم، عند البلكونة، حيث يدخل فرع التوتة وضوء العصر معاً، طاولة خشبية صغيرة فوقها مكبس يدوى بدائى صنعته يد صاحبته: لوحان من الخشب الغليظ يربط بينهما مسماران لولبيان طويلان. وحوله كراريس مدرسية فى أكوام، بعضها مجلد وبعضها ينتظر، وأمامه، على كرسى من الخيزران، امرأة صغيرة.
كانت فى الخامسة والثمانين، لكن من يراها من الخلف يحسبها أصغر بعشرين عاماً، لأن ظهرها، على خلاف ظهور نساء جيلها، كان مستقيماً كالمسطرة. نحيلة نحولاً يشبه الصلابة لا الضعف، فى جلباب منزلى رمادى وطرحة بيضاء من القطن معقودة خلف الرأس عقدة الصنّاع لا عقدة الجدات. ووجهها ضيق دقيق الملامح، تتشابك فيه التجاعيد كخطوط الورق المجزّع الذى يبطن به المجلدون أغلفة الكتب. أما عيناها، عيناها بالذات، فقد عرفتهما سلمى على الفور، لأنها تراهما كل صباح فى المرآة.
وكانت يداها تعملان. تمسك اليسرى كراسة مفتوحة من منتصفها، وتمر اليمنى بإبرة طويلة فى ثقوب الكعب، داخلة خارجة، بإيقاع منتظم لا يتعجل ولا يبطئ، كإيقاع ساعة قديمة. ولم ترفع رأسها حين دخلت سلمى. أنهت الغرزة، وشدت الخيط، وعقدته عقدة صغيرة، وقطعته بأسنانها، ثم رفعت عينيها.
ونظرت إلى سلمى طويلاً. ثم قالت بصوت هادئ، فيه بحة خفيفة كصوت الورق القديم حين يُقلّب:
«إنتى سلمى. كتاب العلوم بتاع خامسة ابتدائى كان فيه ورقة مقطوعة من النص، وأنا لزقتها بورق شفاف رفيع زى جناح الدبانة علشان ماتبانش. لسه باينة؟»
ولم تستطع سلمى أن تجيب. أخرجت من حقيبتها الورقة الصفراء المطوية أربع طيات، ومدتها نحوها.
ونظرت زينب إلى الورقة فى يد سلمى، ولم تأخذها. نظرت إليها كما ينظر الناس إلى صورة قديمة لهم يخافون أن يجدوا فيها وجهاً لا يعرفونه. ثم قالت لحفيدتها، دون أن ترفع عينيها عن الورقة:
«اعملى شاى يا ندى. وحطى سكر كتير. الضيفة جاية من بعيد.»
لوحة سابعة: نصف النهار
لم تفتح زينب الورقة. وضعتها على ركبتها، ووضعت كفها فوقها، كما توضع اليد على كتف من يبكى، وحكت.
حكت عن الدكان كما كان فى الخمسينيات، بأسطواته الثلاثة وصبيانه الأربعة، وعن المكبس الذى كان أبوها يسميه «الحاج»، والذى كانت تلفّه وهى فى الحادية عشرة حين يخرج الجميع إلى صلاة الجمعة، فيئن تحت يديها الصغيرتين ثم يطيع. وحكت عن أبيها، المعلم عبد الغنى، الرجل الطويل ذى الشارب الكث، الذى كان يقرّب الكتاب المجلد من أنفه ويشمه كما يشم الفلاح التراب ليعرف إن كان سيمطر، والذى كان يقول بحسم لا يقبل الرد: «البنت تمسك الإبرة فى البيت، تخيّط هدوم، تطرّز مخدات. إنما إبرة الدكان دى إبرة رجالة.» وقالت: «ماكانش وحش يا بنتى. كان زى زمانه. والزمن ساعات بيبقى أوحش من الناس اللى فيه.»
وحكت عن الليالى. كيف كانت تنتظر حتى ينام البيت، ثم تنزل على أطراف أصابعها ومعها أخوها الصغير فؤاد، فى الحادية عشرة ثم الثانية عشرة ثم الثالثة عشرة، يمسك لها لمبة الجاز ويتثاءب، ويحلف لها كل ليلة إنه لن يقول لأحد. وكيف تعلمت كل شىء خلسة: بالعين والأذن نهاراً، وهى تقف عند الباب تحمل الطعام للأسطوات، ثم بالأصابع ليلاً. وكيف صنعت السنبلة بنفسها، من مسمار نحاسى ظلت تحفر طرفه بإبرة ساخنة أسبوعاً كاملاً. «كنت عايزة حاجة بتاعتى. حاجة لو الدنيا كلها قالت دى إيد عبد الغنى، أبقى أنا عارفة إنها إيدى.»
ثم سكتت. ودخلت ندى بالشاى، ووضعته، وجلست على الأرض عند قدمى جدتها، ولم تفهم كل شىء، لكنها فهمت أن عليها أن تسكت.
قالت سلمى:
«جدو كان عارف إن الجواب جوه الكتاب؟»
ونظرت إليها زينب نظرة طويلة، وابتسمت ابتسامة صغيرة لم يكن فيها فرح.
«فؤاد هو اللى كان ماسك اللمبة وأنا بحطه. كان عنده تلتاشر سنة، وقعد يعيط ويقول لى: ماتمشيش يا زينب. قلت له: ماتقولش لأبوك على الجواب، خليه فى الكتاب. ووعدنى.» ثم أضافت، وصوتها ينخفض: «وفضل واعد سبعة وستين سنة. حتى بعد ما أبويا مات. حتى بعد ما أمى ماتت. حتى بعد ما مضّيت على ورقة التنازل والكل بيقول: ماشاء الله، بنت أصيلة.»
«وماطلبتيش نصيبك فى الدكان؟»
وضحكت زينب، لأول مرة، ضحكة قصيرة خفيفة كخشخشة الورق.
«نصيبى؟ أنا ماكنتش عايزة نص الدكان يا سلمى. أنا كنت عايزة نص النهار. كنت عايزة أشتغل فى النور، قدام الناس، وأبويا واقف ورايا بيقول: دى إيد زينب. بس كده. والنص ده محدش كان هيدّيهولى، لا بورقة ولا من غير ورقة.»
ثم حكت ما لم تكن سلمى تتوقعه. أن فؤاد جاءها بعد سنين طويلة من الجفاء، فى سبتمبر من سنة ألفين وواحد، يحمل تحت إبطه لفة كتب مربوطة بالدوبارة، ووقف على باب الشقة لا يدخل، كتلميذ متأخر عن الطابور، وقال: «دى كتب بنت ابنى. أبوها مات وهى عندها خمس سنين. أنا عايزها تتعلم إن الكتاب ليه قيمة. وعايز كتبها تيجى من إيد بنت.» ثم أضاف قبل أن تغلق الباب: «وده شغل يا زينب، مش صدقة. هحاسبك عليه.»
«وحاسبنى. كل سنة. بالقرش. وكان ييجى يقعد هنا، على الكنبة دى، يشرب الشاى وأنا شغالة، وما نتكلمش. ولا مرة قال لى: أنا آسف. ولا مرة قلت له: سامحتك. الرجالة بتوعنا يا بنتى بيعرفوا يقولوا كل حاجة إلا الحاجة الوحيدة اللازمة، وإحنا بنعرف نسمع كل حاجة إلا اللى ما اتقالش.»
ثم رفعت الورقة عن ركبتها، وفتحتها أخيراً، بأصابع لم ترتجف قط وهى تخيط، وارتجفت الآن. وقرأت خطها القديم، خط التلميذة المجتهدة. وقالت كأنها تكلم نفسها:
«قال لك جلّديها بإيدك؟»
«قال لى ماتودّيهاش لحد.»
وهزت زينب رأسها ببطء. وفهمت سلمى، فى اللحظة نفسها التى فهمت فيها زينب، ما لم يقله الرجل فى حياته. أنه لم يرد أن يفتح الكتاب بنفسه، لأن الوعد وعد. ولم يرد أن يموت والجواب مدفون. فأوصى بالكتاب لليد الوحيدة التى ستفكه وهى لا تعرف شيئاً، فتكشف السر دون أن يخون أحد أحداً.
قالت زينب، والدموع تسيل على وجهها دون أن يتغير صوتها:
«فؤاد بعت الجواب. بعد سبعة وستين سنة. بعته بإيدك يا سلمى.»
لوحة ثامنة: صباح الخير يا حاج
فى صباح الأربعاء، اليوم الذى يسبق الخميس، وقفت زينب عبد الغنى الوراق على عتبة «الوراقة الحديثة».
كانت قد أصرت أن تأتى، وأصرت أن تمشى من أول درب الأتراك على قدميها، رافضة ذراع سلمى وذراع ندى معاً، كمن يأبى أن يُحمل فى طريق مشاه وحده فى الخيال آلاف المرات. ومشت ببطء بين دكاكين الكتب، تنظر يميناً ويساراً، وتقرأ اللافتات بشفتيها، وتهمس بأسماء أصحابها القدامى كأنها تسلم عليهم. وخرج عم بيومى من دكانه، ونظارته على جبينه، ووقف أمامها لا يجد ما يقوله، ثم انحنى وقبّل يدها كما يقبّل الأطفال أيدى معلماتهم، فسحبتها وضحكت وقالت: «إنت لسه شايل الكتب لأبوك يا بيومى؟»
ثم رفعت عينيها إلى اللافتة، إلى «عبد الغنى الوراق وأولاده»، وإلى الذهب الساقط عن آخر الحروف. وقالت لسلمى دون أن تلتفت:
«حتى اليافطة مستنية حد يكمّلها.»
ودخلت.
ولم تتجه إلى الرفوف، ولا إلى رف المعلم، ولا إلى الكرسى الذى كان يجلس عليه أبوها. اتجهت إلى المكبس. ووقفت أمامه كما يقف الناس أمام شيخ كبير، ومدت يدها، ووضعتها على العمود اللولبى الأسود البارد، وظلت هكذا لحظة، ثم قالت بصوت لم تسمعه إلا سلمى:
«صباح الخير يا حاج.»
وفى ذلك اليوم لم تذهب سلمى إلى شركتها. أرسلت إلى مديرها رسالة قصيرة تقول إنها مريضة، ولم تشعر، لأول مرة فى حياتها، أنها تكذب. وجلست على الكرسى الواطئ، وجلست زينب على كرسى أبيها، ولم تقل إحداهما شيئاً عن ذلك، وبدأتا.
علمتها زينب أن تطوى الملزمة بالعظمة، لا بالإصبع، لأن الإصبع يكذب والعظمة لا تكذب. وعلمتها أن تثقب الكعب، وأن تمد الخيط، وأن تشده شداً لا يقطعه ولا يرخيه، «زى ما تشدى على إيد حد بتحبيه فى الزحمة». وعلمتها أن تلف المكبس، فلفّته سلمى، فأنّ تحت يديها أنيناً طويلاً كعجوز يقوم من نومه، ثم أطاع. وعلمتها أن تدق الكعب بالمطرقة الصغيرة المستديرة حتى ينحنى انحناءة الهلال، دقات خفيفة متتابعة كقطرات مطر على سقف من الصفيح، وقالت: «الكعب المستقيم يتكسر. الكعب اللى يعرف ينحنى يعيش.» وكان فى الجملة، كما فى كل جمل الصناع القدامى، أكثر مما فى ظاهرها.
وكان عم بيومى يدخل كل ساعة بالشاى، ويقف عند الباب، ويقرأ بصوت مسموع عناوين الكتب على الرفوف، كأنه يرحب بها من جديد.
وفى العصر، حين جاءت ساعة الدفتين، صنعتاهما بالطريقة القديمة. لم تشتريا كرتوناً. جمعت زينب أوراقاً من درج الدكان: فواتير بخط فؤاد، وصفحات من دفاتر حساب تالفة، وجرائد قديمة، وأخذت تلصقها طبقة فوق طبقة بالغراء الدافئ، وتضغطها بكفها، وقالت:
«كل كتاب يا سلمى شايل على ضهره ورق ناس ما حدش قراه. علشان كده الكتب القديمة تقيلة.»
ثم توقفت يدها فوق الطبقة الأخيرة، والتفتت إلى سلمى، وقالت:
«الجواب. رجّعيه مكانه.»
«ليه يا عمتى؟» وكانت الكلمة قد خرجت من فمها لأول مرة، «عمتى»، فسمعتها زينب، وسكتت لحظة كمن يسمع اسمه ينادى به أحد بعد غياب طويل.
«علشان الجوابات اللى ما اتبعتتش ليها بيت. وبيته هنا. يمكن تيجى بنت تانية، بعد مية سنة، تفك الكتاب ده. لازم تلاقى حد كان مستنيها.»
لوحة تاسعة: سنبلتان
جاء الأستاذ مجدى صباح الخميس فى العاشرة، ومعه عقد مطبوع فى ثلاث نسخ، وقلم مذهب، وابتسامة من جاء ليوقع على أمر محسوم. ودخل، فوجد الدكان على غير ما تركه: الرفوف العالية كما هى، والكتب كما هى، واللمبة الصفراء مضاءة فى عز النهار، وعند المكبس امرأة عجوز لم يرها من قبل، تنام جالسة على كرسى قديم، وعلى كتفيها شال من الصوف، ورأسها مائل على صدرها. وعلى الطاولة، تحت ثقل من الحديد، كتاب سميك بغلاف جديد من الجلد البنى لم يجف غراؤه بعد.
وكانت سلمى واقفة عند الطاولة، بعينين حمراوين من السهر، وعلى أصابعها بقع غراء جافة وجروح صغيرة من الإبرة، وفى شعرها خيط كتان لم تنتبه إليه.
قالت قبل أن يقول شيئاً:
«أنا آسفة يا أستاذ مجدى. الدكان مش للبيع.»
وتغير وجه الرجل تغير التاجر الذى يحسب الخسارة قبل أن يحسب الكلام، وقال:
«يا أستاذة، إحنا متفقين. وبعدين بصراحة، هتعملى بيه إيه؟ الناس مابقتش تقرا كتب، الناس عايزة الخلاصة. وأنا هدفع لك فى الشهر أكتر من اللى المحل ده هيجيبه لك فى سنة.»
ونظرت سلمى إلى زينب النائمة، ثم إلى الكتاب تحت الثقل، وقالت بهدوء لم تعرفه فى نفسها من قبل:
«عندك حق. الناس عايزة الخلاصة. بس لازم حد يفضل يجلّد الكتاب اللى الخلاصة اتاخدت منه. وإلا هييجى يوم نلاقى نفسنا بنلخّص الملخصات.»
ولم يفهم الأستاذ مجدى تماماً، لكنه فهم ما يكفى. طوى العقد، ودسه فى جيبه، وقال إن الخسارة خسارتها، وخرج يتكلم فى هاتفه عن مخزن آخر فى الغورية. ودخل عم بيومى بعده بلحظة، كأنه كان ينتظر خلف الباب، وفى يده صينية عليها ثلاثة أكواب شاى لا اثنان.
وفى المساء، حين جف الغراء، رفعت سلمى الثقل الحديدى، وأخرجت الكتاب من تحت المكبس. وكان الجلد الجديد ناعماً مشدوداً كجلد طبلة، والكعب منحنياً انحناءة الهلال، وعلى الوجه الإطار الذهبى القديم، الأغصان والنجوم الصغيرة، فقد استطاعت زينب أن تنقذه وتعيد لصقه على الجلد الجديد كما يُنقل وشم من ذراع إلى ذراع. وفى داخل الدفة الأولى، بين طبقات الورق، كانت ترقد الورقة الصفراء المطوية أربع طيات، كما رقدت سبعة وستين عاماً. وإلى جوارها، هذه المرة، ورقة ثانية بيضاء، كتبتها سلمى فى الفجر بخط لم تكتب به منذ سنين، خط يدها لا خط الشاشة، ولم ترِ أحداً ما فيها، ولا زينب.
وأخرجت زينب من جيب جلبابها شيئاً صغيراً ملفوفاً فى منديل: مسماراً نحاسياً قديماً، طرفه محفور على هيئة سنبلة. وسخنته على لهب الموقد، ومسحته بقطعة قماش، ثم قلبت الدفة، وضغطت به فى الركن الأيسر الأسفل من الداخل، حيث ينثنى الجلد على الكرتون. وتصاعد من الجلد خيط رفيع من الدخان، له رائحة الخبز.
ثم مدت المسمار إلى سلمى.
ولم تفهم سلمى فى البداية. ثم فهمت. وسخنت المسمار بيدها هذه المرة، وضغطت به إلى جوار سنبلة عمتها، فى الركن نفسه، ضغطة مرتعشة قليلاً، فخرجت سنبلتها مائلة بعض الشىء، أقل وضوحاً، كتوقيع تلميذة فى أول يوم لها فى المدرسة.
سنبلتان. واحدة أتقنتها السنون، وأخرى تبدأ.
وأعادت سلمى الكتاب إلى رف المعلم، وأسدلت عليه الستارة الخضراء. ثم أخرجت من الدرج فرشاة رفيعة وعلبة صغيرة من ماء الذهب، كان جدها يرمم بها حروف المصاحف، وصعدت على الكرسى الخشبى أمام الباب، وعم بيومى يمسك لها الكرسى ويحذرها كل ثانية، وزينب واقفة فى الحارة تحت المشربيات، رافعة رأسها، تنظر.
ولم تكتب سلمى «وبناته»، كما خُيّل لعم بيومى أنها ستفعل. أكملت فقط الحروف الساقطة، حرفاً حرفاً، حتى عادت «وأولا» إلى «وأولاده». ثم نزلت، ووقفت إلى جوار عمتها، ونظرتا معاً إلى اللافتة.
وقالت زينب، والمساء ينزل على الحارة كغطاء من القماش الأزرق:
«كده كويس. الأولاد كلمة واسعة يا سلمى. على قد ما العيلة تحب توسّعها.»
ثم جاءت من الأزهر تلاوة صلاة العشاء، قريبة واضحة، كأن الجامع يقرأ على الحارة قبل أن تنام. وانطفأت اللمبات فى دكاكين الكتب واحدة بعد أخرى، ولم تبق إلا لمبة صفراء واحدة، معلقة فوق طاولة مكسوة بالزنك، فى أقدم دكان فى الحارة، الدكان الذى اسمه «الحديثة».
وعرفت سلمى، وهى تمد يدها لتطفئها، أن بعض الرسائل لا تُكتب لكى تصل إلى من كُتبت إليه، بل لكى تصل إلى من يحتاجها. وأن الرسالة التى تأخرت سبعة وستين عاماً لم تتأخر، فى الحقيقة، يوماً واحداً.
ولم تطفئ اللمبة. تركتها مضاءة، وجلست على الكرسى الواطئ عند المكبس، وأخذت من رف المعلم كتاباً آخر، كعبه يوشك أن ينفك، وفتحته.
قصة من تأليفنا: أحداثها وشخصياتها من وحى الخيال.



