كان الريس عطية يعمل حارسًا لفنار “أبو قير” القديم منذ ثلاثين عامًا، منذ أن كان الفنار لا يزال يعمل بالكيروسين قبل أن تستبدله الهيئة بمصباح كهربائي أوتوماتيكي، وتُبقيه هو فقط لمراقبة الأعطال والتأكد من دوران الضوء كل ليلة. كان يعيش وحيدًا في البيت الملحق بقاعدة الفنار، على شريط ضيق من الأرض بين البحر والبحيرة، لا يزوره أحد إلا مركب الإمداد كل أسبوعين، وابنه كريم الذي كان يعمل في القاهرة ولا يأتي إلا في المناسبات.
في تلك الليلة من أواخر سبتمبر، بينما كانت الرياح تصفر بقوة غير معتادة، لاحظ الريس عطية أن الضوء الدوار للفنار بدأ يتوقف كل بضع ثوانٍ، كأن هناك عطلاً في المحرك الكهربائي. صعد السلم الحلزوني الطويل، أكثر من مائتي درجة، وهو يلهث، حاملاً معه فانوسه اليدوي القديم كعادته احتياطًا. وفي منتصف الطريق تقريبًا، سمع صوت خطوات فوقه، في الغرفة العلوية حيث توجد آلية الإضاءة، رغم أنه كان يعلم يقينًا أنه الوحيد في الفنار.
توقف عن الصعود لحظة، وأنصت. الخطوات توقفت أيضًا. ظن أنه توهّم بفعل الريح والتعب، فواصل صعوده. لكن حين اقترب من الباب العلوي، رأى من خلال الفتحة الزجاجية الصغيرة ظلاً يتحرك بالداخل، ظل رجل يرتدي ما بدا أنه معطف بحّار قديم الطراز.
فتح الباب بيد مرتجفة، فوجد الغرفة فارغة تمامًا، لا أحد فيها سوى آلية الدوران المعدنية التي كانت تصدر صريرًا خفيفًا كلما دارت. لكنه لاحظ شيئًا غريبًا: نافذة الغرفة، التي كانت مغلقة دائمًا بإحكام بسبب الرياح، كانت مفتوحة على مصراعيها، والستارة القديمة تتطاير بعنف.
أغلق النافذة، وفحص لوحة الكهرباء، فوجد أن أحد الأسلاك قد ارتخى بفعل الاهتزاز المستمر، وهو ما تسبب في انقطاع الضوء المتكرر. أصلحه بسرعة وعاد الضوء يدور بثبات. لكنه، وهو ينزل السلم، سمع مجددًا صوت خطوات هذه المرة من أسفل، تتجه نحو الباب الخارجي.
في تلك الليلة، لم ينم الريس عطية إطلاقًا. جلس في غرفته يستمع لكل حفيف، وفي الصباح، حين ذهب ليتفقد الفنار من الخارج، وجد آثار أقدام رطبة تمتد من عند قاعدة الفنار حتى الصخور المطلة على البحر، ثم تختفي فجأة عند حافة الماء، كما لو أن أحدهم خرج من الفنار مباشرة إلى البحر.
أخبر ابنه كريم بالأمر في اتصال هاتفي، فطلب منه أن يترك الفنار ويأتي للإقامة معه في القاهرة، لكن الريس عطية رفض بشدة، قائلاً إن الفنار “مسؤوليته منذ ثلاثين سنة ومش حيسيبه لخيالات الليل”. لكن كريم، القلق على والده، قرر السفر إليه في عطلة نهاية الأسبوع.
وحين وصل كريم، أخبره والده بكل التفاصيل: الخطوات، الظل، النافذة المفتوحة، آثار الأقدام. فكّر كريم قليلاً، ثم سأل والده سؤالًا غريبًا: “هل تغير شكل الفنار من الخارج مؤخرًا؟ أي إصلاحات، أي طلاء جديد؟”
تذكر الريس عطية أن هيئة المنائر كانت قد أرسلت فريقًا قبل أسبوعين لطلاء قاعدة الفنار وتغيير بعض الألواح الصدئة في الجدار الخارجي، وتركوا خلفهم بعض المعدات في مخزن صغير أسفل السلم، لم يكن قد فتحه منذ ذلك الحين لانشغاله.
نزل الاثنان إلى المخزن، ووجدا بداخله بدلة غطس كاملة قديمة كان الفريق قد استخدمها لفحص قاعدة الفنار تحت الماء، معلقة على حامل خشبي بجوار النافذة الصغيرة المطلة على الدرج الداخلي، بحيث يظهر ظلها، حين تتحرك بفعل تيار الهواء القادم من فتحات التهوية، وكأنه رجل واقف يرتدي معطفًا طويلاً.
أما صوت الخطوات، فكان مصدره الحقيقي كابل معدني طويل تركه العمال متدليًا من السقف حتى الأرض، يضرب الدرج الحديدي كل مرة تهب فيها الريح بقوة عبر الفتحات، فيصدر صوتًا يشبه وقع الأقدام تمامًا.
بقي لغز آثار الأقدام الرطبة وحده بلا تفسير واضح، حتى تذكر الريس عطية أن أحد صيادي المنطقة كان يمر أحيانًا بجوار الفنار ليلاً في طريقه لصيد الأخطبوط قرب الصخور، وربما اقترب من قاعدة الفنار ليستظل قليلاً من الريح قبل أن يكمل طريقه إلى الماء، دون أن يعلم أن أحدًا يراقب أثره في الصباح.
ضحك كريم قائلاً لوالده إن “أشباح” الفنار كانت مجرد بدلة غطس منسية وسلك معدني وصياد عابر، فرد عليه الريس عطية بابتسامة تعب واضحة عليها: “يمكن. بس أنا هفضل حاطط فانوسي جنبي كل ليلة زي زمان، احتياطًا.”
وفي مساء ذلك اليوم، وقبل أن يغادر كريم عائدًا إلى القاهرة، وقف مع والده على شرفة الفنار يراقبان الضوء الدوار وهو يمسح صفحة البحر المظلم، بينما استقرت بدلة الغطس أخيرًا في صندوق مغلق بعيدًا عن أي نافذة، لتنتهي حكاية “شبح الفنار” كما بدأت، بتفسير بسيط لأشياء اعتيادية، في مكان لا يسكنه غير الريح والضوء والبحر.



