الجمعة، 30 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ | 21 بابة 1743 ش | السنة المصرية 6267
القاهرة، 16°م دولار 56.04 | يورو 62.55
عاجل
إحدى أنشطة المجلس الوطني للتنمية والتدريب
أخبار · رأي · تحليل
"السلام يبدأ بابتسامة."
— الأم تيريزا
رئيس مجلس الإدارة
رفيق سامي
المدير التنفيذي للموقع
وجيه نزيه
أدب وقصص

ظهره للبحر

أكتوبر 27, 2026
صورة تعبيرية لقصة ظهره للبحر

لوحة أولى: محطة الرمل فى السادسة

فى السادسة صباحاً، قبل أن تفتح محلات الفول أبوابها الحديدية وقبل أن يفيق الحمام على أفاريز العمارات القديمة، تكون محطة الرمل فى الإسكندرية مدينة صغيرة نائمة داخل مدينة كبيرة نائمة. أرصفة طويلة من البلاط المغسول بندى البحر، وأعمدة حديدية رفيعة تحمل الأسلاك فوق القضبان كأنها خيوط عود مشدودة لم يعزف عليها أحد بعد، ومظلات خضراء مقشورة الطلاء يتجمع تحتها ماء الليل قطرات تسقط على رؤوس المنتظرين القلائل كأنها تختبر يقظتهم. ومن ناحية الميدان تأتى رائحة البحر مختلطة برائحة الخبز الأول وبنزين التاكسيات العتيقة، وتمر عربة ترام صفراء من ترام المدينة تصفر صفيراً طويلاً وتمضى نحو بحرى كأنها تأخرت على موعد مع الصيادين.

وعلى الرصيف الثالث كان ترام الرمل الأزرق ينتظر، ثلاث عربات متلاصقة بلون البحر فى يوم غائم، يجرى على جنوبها خط كريمى باهت، ونوافذها مفتوحة إلى منتصفها، ومقاعدها الخشبية مصفوفة صفين متقابلين لمعت من كثرة ما جلس عليها الناس حتى صارت كخشب المراكب القديمة. وفى العربة الأولى، عند الباب الخلفى، فى الركن الذى لا يجلس فيه أحد لأن الواقف فيه يسد الطريق، كان يقف عم منصور أبو الوفا.

رجل فى الستين، اكتمل له اليوم الستون، قصير القامة عريض الصدر، يقف وقفة البحارة على أرض متحركة، ساقاه متباعدتان قليلاً وركبتاه لينتان، كأن الترام سفينة صغيرة لا يأمن موجها. وجهه أسمر من شمس ثلاثين صيفاً تدخل من النوافذ، وشاربه رمادى كثيف مقصوص بعناية فوق شفة عليا يعلوها خط رفيع من الأبيض. يلبس قميص الهيئة الأزرق مكوياً حتى إن الثنية فى كميه تقطع كالموس، وعلى كتفه حقيبة جلدية بنية صار جلدها ناعماً كجلد الكف، فيها بكرة التذاكر والفكة مرتبة بحسب فئاتها، وفى يده اليمنى الخرامة النحاسية الصغيرة التى تعض طرف التذكرة عضة خفيفة وتترك فيها ثقباً كعين عصفور.

ثلاثون عاماً وعم منصور على هذا الخط، من الرمل إلى فيكتوريا ومن فيكتوريا إلى الرمل، سبع عشرة محطة فى الذهاب وسبع عشرة فى الإياب، يقطعها فى اليوم ست مرات أو سبعاً، حتى حسب مرة على ظهر علبة سجائر فارغة أنه قطع المسافة ما يعادل الدوران حول الأرض أربع مرات، دون أن يغادر الإسكندرية، ودون أن يجلس.

وكان هذا أغرب ما فيه، وإن لم يلحظه أحد. فعم منصور لم يجلس على مقعد فى الترام قط. ولم يكن ذلك تعففاً ولا تواضعاً، بل عادة بدأت فى أسبوعه الأول، حين قال له الكمسارى العجوز الذى علمه الصنعة: «الكمسارى يا ابنى ظهره للشباك ووشه للناس. اللى يبص للبحر ينسى التذاكر». وصدّق منصور الكلام، ثم تجاوز تصديقه إلى أن صار جسده نفسه يرفض أن يلتفت. فالترام يمر كل يوم بفتحات الشوارع العرضية المؤدية إلى الكورنيش، فيلمع البحر فى آخرها لحظة ثم يختفى، شريحة بعد شريحة، كأن المدينة تقلّب للركاب كتاباً أزرق، وعم منصور واقف وظهره إلى الكتاب، يعد الفكة ويخرم التذاكر ويعرف الوجوه.

وفى ذلك الصباح، وهو يربط حذاءه فى صالة شقته الصغيرة فى غيط العنب، قالت له زوجته الست زينب، وهى تلف السندوتشات فى ورق الجرائد كما تفعل منذ ثلاثين عاماً:

«النهارده آخر يوم يا منصور. ترجع لى راكب زى خلق الله.»

فضحك ولم يرد. ولم يعرف وهو يضحك لماذا أحس أن الجملة ثقيلة على صدره كحقيبة الفكة فى آخر النهار.

لوحة ثانية: وجوه يحفظها كالمحطات

تحرك الترام فى السادسة وعشرين دقيقة بخشخشة طويلة، كأن عرباته الثلاث تتثاءب واحدة بعد أخرى، ورن السائق، عم رجب، جرسه النحاسى رنتين قصيرتين كما يفعل كل صباح، يحيى بهما الرصيف أو يوقظ نفسه. ومن النافذة الأمامية ظهر ظهره العريض وطاقيته الصوف التى لا يخلعها صيفاً ولا شتاء، وقد عملا معاً عشرين عاماً دون أن يتبادلا من الكلام إلا ما يتبادله رجلان يعرف كل منهما ما سيقوله الآخر قبل أن يقوله.

وكان الركاب فى الرحلة الأولى قليلين، لكنهم كانوا ركاب منصور. فهو يعرف الناس كما يعرف المحطات: بالترتيب، وبالرائحة، وبالصوت الذى تحدثه أقدامهم على الدرجة الحديدية.

وكان قد انتهى، بعد ثلاثين عاماً من الوقوف عند الباب، إلى أن الترام هو آخر مكان فى المدينة يجلس فيه الغنى إلى جوار الفقير دون أن يتأفف أحدهما، لا لأن القلوب صفت، بل لأن المقاعد ضيقة والطريق واحد. فالسيارات الخاصة تعزل أصحابها كما تعزل علب السردين أسماكها، والتاكسى يجعل الراكب سيداً صغيراً على سائقه عشر دقائق، أما الترام فيضع الجميع فى صفين متقابلين، وجهاً لوجه، ركبة إلى ركبة، ويقول لهم: انظروا إلى بعضكم، فأنتم ذاهبون إلى المكان نفسه بالثمن نفسه، وستنزلون جميعاً، عاجلاً أو آجلاً، فى محطة لم تختاروها.

فى الشاطبى صعد الأستاذ فهمى، مدرس اللغة العربية على المعاش، ببذلته الكحلية التى ضاقت عليه فى الوسط واتسعت عند الكتفين، كأن العمر أعاد توزيعه من جديد، وتحت إبطه ثلاث جرائد يقرؤها كلها فى طريقه إلى سيدى جابر ثم يعود بها كما هى، لأنه، كما يقول، لا يقرأ الجرائد ليعرف الأخبار بل ليصحح أخطاءها. ومد للكمسارى ثمن التذكرة بالضبط، كعادته، ملفوفاً فى ورقة صغيرة كتب عليها بخطه الرقعة الجميل: «حلال عليك».

«صباح الفل يا أستاذ.»

«صباح النور يا منصور. النهارده اليوم الكبير؟»

«الكبير ولا الصغير يا أستاذ، ربنا يعلم.»

«المعاش يا منصور زى نقطة آخر السطر. مش معناها إن الكلام خلص، معناها إنك تاخد نفسك وتبدأ جملة جديدة.» ثم فتح جريدته الأولى، وقطب جبينه لخطأ وجده فى العنوان، فاستغرق فيه.

وفى كامب شيزار صعدت أم سعيد، امرأة ممتلئة فى ملاية لف سوداء ما يزال بعض نساء الأحياء القديمة يلبسنها، تحمل على رأسها مشنة من الخوص فيها جبن قريش ملفوف فى أوراق الشجر، تبيعه لموظفات البنوك فى سموحة وتعود قبل الظهر. وكانت تقول لمنصور كل يوم الجملة نفسها وهى تضع المشنة على الأرض: «سيبها تقعد هى، أنا واقفة.» فيقطع لها تذكرة واحدة ويعامل المشنة معاملة الراكب المحترم.

وفى الإبراهيمية قفز من الباب الأوسط، والترام لم يتوقف تماماً، صبى فى الرابعة عشرة اسمه زيزو، نحيل كعود القصب، بقميص مدرسة لم يعد يذهب إليها، وعينين سريعتين تجريان على الجيوب قبل الوجوه. وكان منصور يعرفه منذ كان فى العاشرة، ويعرف ما تفعله أصابعه فى الزحام، فلم يقل شيئاً، بل مشى نحوه بهدوء ووقف إلى جواره، ووضع يده على كتفه كما يضع الأب يده على كتف ابنه فى صلاة العيد، وظل واقفاً هكذا حتى سبورتنج. ولم يتكلم أحدهما. ثم نزل الصبى، والتفت من الرصيف، وقال بصوت عال يسمعه الجميع:

«ماشى يا عم منصور. بس بكرة مش هتبقى موجود!»

وضحك الركاب، وضحك منصور معهم، وأحس شيئاً ينقبض فى معدته لم يكن الجوع.

وفى تلك الرحلة الأولى، عند محطة الرمل نفسها، قبل أن يتحرك الترام بدقيقة، كانت قد صعدت شابة لم يرها من قبل.

لوحة ثالثة: الكراسة ذات الغلاف الأسود

كانت فى نحو الثلاثين، طويلة نحيلة، تلبس معطفاً رمادياً خفيفاً من معاطف الخريف التى لا تقى من برد ولا تمنع مطراً لكنها تقول إن صاحبتها تعرف أن الخريف جاء، وطرحة بلون الرمل المبلول ملفوفة بإهمال متقن. وكان وجهها شاحباً شحوباً لا يأتى من المرض بل من الإسكندرية فى أكتوبر، وفى عينيها، البنيتين الواسعتين، ذلك الانتباه الذى يراه منصور فى عيون الأطفال أول مرة يركبون الترام: كأن كل شىء يستحق أن يُرى مرتين.

جلست على المقعد المقابل لركنه تماماً، وأخرجت من حقيبة قماشية كراسة رسم كبيرة بغلاف أسود، وعلبة صغيرة من الأقلام الرصاص المبرية بعناية، وأخذت ترسم.

ولم يلتفت منصور فى البداية. فالرسامون فى الإسكندرية ليسوا غرباء على الترام: طلبة الفنون الجميلة يرسمون العربات القديمة، والسياح يرسمون المحطات، وكل بضعة شهور تأتى فتاة من القاهرة ترسم «الترام الأزرق» لأن أحداً قال لها إنه «فينتاج». لكنه لاحظ، حين اقترب ليقطع لها التذكرة، أنها لا ترسم الترام.

كانت ترسمه هو.

يده على الخرامة. كتفه المائلة تحت الحقيبة. وقفته وساقاه متباعدتان. وظهره، ظهره بالذات، إلى النافذة التى يلمع فيها البحر شريحة زرقاء صغيرة بين عمارتين.

قطع لها التذكرة إلى فيكتوريا، وخرمها، وقال بلهجة من لا يحب أن يُرسم:

«حضرتك من الجرنال؟»

«لأ.» ورفعت عينيها إليه وابتسمت ابتسامة صغيرة فيها شىء لم يفهمه، كأنها تعرف نكتة لم يسمعها بعد. «أنا بس بحب أرسم الناس اللى شغلهم ماشى.»

وفى فيكتوريا، حين نزل الركاب جميعاً، لم تنزل. اشترت تذكرة العودة، وجلست فى المقعد نفسه، وقلبت الصفحة، وبدأت ترسمه من جديد.

وفى الرحلة الثالثة صار الأمر حديث العربة الأولى كلها. أم سعيد، وقد عادت من سموحة ومشنتها فارغة، مالت على أذنه وقالت: «دى من الهيئة يا منصور. بيبعتوا ناس يشوفوا الكمسارية بيعملوا إيه فى آخر يوم، يمكن تكون سارق التذاكر وبتخبيها فى الشراب.» وضحك عم رجب من كابينته ضحكة سمعها الركاب عبر الزجاج.

ولم يجد منصور فى الهيئة ما يدعو إلى هذا الخوف، ولا فيها ما يدعو إلى الثقة. فقد خدمها ثلاثين عاماً، وعرفها كما يعرف الموظف المصرى الحكومة: كائناً عظيماً لا يراه أحد، يتذكرك مرتين فى العمر، مرة حين يعيّنك ومرة حين يحيلك إلى المعاش، وبين المرتين يرسل إليك الخصومات والتعميمات واستمارات لا يقرؤها أحد ممن أرسلوها. والمعاش، فى لغة الحكومة، كلمة واحدة تقول بها شكراً وكفاية فى آن، وتختار هى أيهما تقصد.

وحين وقف الترام فى سان ستيفانو، ونزل الركاب ولم يصعد أحد، مالت الشابة نحوه قليلاً، وقالت بصوت منخفض، كأنها تسأل عن شىء عادى:

«هو حضرتك ليه مابقتش تنادى المحطات بصوت عالى؟ سمعت إن كان فيه كمسارى على الخط ده بينادى المحطات بالغنا.»

ونظر إليها منصور طويلاً. ثم قال بجفاف لم يقصده:

«كان زمان يا آنسة. الناس دلوقتى عارفة هى نازلة فين.»

وابتعد إلى الباب الخلفى، وظهره إلى البحر، ولم ينظر إليها حتى سيدى بشر.

لوحة رابعة: مفتش بجهاز لوحى

فى رحلة الضحى، عند سيدى جابر، حيث تتقاطع القضبان مع زحام المحطة الكبيرة وتختلط أبواق التاكسيات بنداءات باعة الكتب المستعملة على الرصيف، صعد المفتش.

كان شاباً فى نحو الثامنة والعشرين، أنيقاً أناقة من اشترى بدلته بالتقسيط ويحرص على أن يُرى فيها كل يوم، يحمل جهازاً لوحياً فى غلاف جلدى أسود، ويضع على صدره بطاقة معلقة فى شريط أزرق كُتب عليها اسمه ووظيفته بالعربية والإنجليزية، كأن الركاب سيحتاجون إلى ترجمته. وكان وجهه نظيفاً من كل شىء: من الشمس، ومن التعب، ومن الشك فى نفسه.

«صباح الخير يا حاج. تذاكر الركاب لو سمحت.»

ومر بين المقاعد بجهازه، يطلب التذاكر ويقرّبها من عينيه كمن يقرأ عقد بيع، ثم يدق على الشاشة دقات صغيرة. وحين بلغ آخر العربة توقف أمام صبى فى العاشرة يجلس على طرف المقعد، يحمل على ركبتيه حلة ألومنيوم صغيرة ملفوفة فى فوطة مطبخ، تفوح منها رائحة الأرز والملوخية.

«تذكرتك يا شاطر؟»

ونظر الصبى إلى منصور. ونظر المفتش إلى حيث ينظر الصبى.

كان منصور يعرفه. ابن الست حنان، الخياطة التى فى الحضرة، يحمل كل يوم غداء أبيه، الحارس فى عمارة تحت الإنشاء فى لوران، ويركب محطتين ويرجع. وكان منصور لا يقطع له تذكرة منذ سنتين، لأن ثمن التذكرتين فى اليوم، كما قالت أمه مرة بصوت خجول، هو ثمن رغيفين.

قال منصور بهدوء:

«الولد معايا يا أستاذ.»

«معاك إزاى يعنى؟ قريبك؟»

«لأ. معايا.»

ونظر المفتش إليه نظرة طويلة، نظرة من درس اللائحة جيداً ولم يدرس شيئاً غيرها، ثم دق على شاشته دقات أطول، وقال، وهو لا يرفع عينيه:

«راكب بدون تذكرة فى حضور الكمسارى، يا حاج، دى مخالفة على الكمسارى مش على الراكب. وهتتخصم من مستحقاتك.»

«النهارده آخر يوم ليّا يا ابنى.»

«عارف. ما هو علشان كده لازم أكتبها النهارده. بكرة مش هلاقى حد أكتبها عليه.»

وكان فى الجملة منطق لا يُرد، وهو أسوأ أنواع المنطق. منطق الأوراق التى لا تعرف أن الإنسان يتعب، ولا أن الملوخية تبرد، ولا أن ثمن تذكرتين ثمن رغيفين. ومد منصور يده إلى جيبه، وأخرج ثمن التذكرة، وقطعها للصبى وخرمها ووضعها فى كفه الصغيرة، ثم قطع تذكرة ثانية للعودة ووضعها فوقها، وقال للمفتش:

«خلاص يا أستاذ. الولد معاه تذكرة. اكتب اللى إنت عايزه.»

وكتب المفتش. ثم نزل فى مصطفى كامل، وبطاقته تتأرجح على صدره، وفى جهازه سطر جديد لن يقرأه أحد أبداً.

وكانت الشابة قد رسمت ذلك كله. الصبى والحلة. ويد منصور الممدودة بالتذكرة. والمفتش منحنياً على شاشته، وقد رسمته بخطوط سريعة رفيعة، بلا وجه تقريباً، كأنه ليس شخصاً بل عادة. ورأى منصور الرسمة وهو يمر، فأحس للحظة أنها رأت ما رآه هو، بالضبط، دون أن يشرح لها أحد.

لوحة خامسة: الكمسارية الصغيرة

لم يعرف منصور لماذا عاد إليه ذلك الشتاء فى تلك الساعة بالذات. ربما بسبب سؤال الشابة عن الغناء، أو بسبب الصبى ذى الحلة، أو لأن الإنسان فى يومه الأخير فى أى شىء يصير كالبيت الذى يُخلى من أثاثه، فتظهر على حيطانه المربعات النظيفة التى كانت تغطيها الصور.

كان ذلك منذ اثنين وعشرين عاماً. وكان منصور يومها فى الثامنة والثلاثين، شاباً على الخط قياساً إلى العجائز الذين علموه، ممتلئاً بصوته، يقف عند الباب وينادى المحطات بنغمة ابتكرها وصارت تُعرف به من الرمل إلى فيكتوريا: يمد آخر كل اسم مداً طويلاً كأنه يرسله إلى البحر، «شاطبىىى»، «إبراهيمييية»، «سيدى جاااابر»، أما «كليوباترا» فكان يغنيها غناء كاملاً، يصعد بها ويهبط كأنه يرفع الملكة على كتفيه ثم يضعها بلطف على الرصيف: «كليووو باااترا». وكان الركاب يضحكون، والأطفال يقلدونه، وكان المفتشون فى تلك الأيام يكتفون بأن يقولوا له إن الترام ليس فرحاً.

وفى ذلك الشتاء ركبت معه امرأة شابة فى جلباب أسود، من سيدى بشر إلى الشاطبى، كل يوم ما عدا الجمعة، ومعها بنت فى السابعة. بنت صغيرة صفراء الوجه، تلبس طاقية صوف حمراء محكمة على رأسها حتى الحاجبين، لا تخلعها حتى فى الأيام الدافئة، وعرف منصور من الطاقية، ومن عينى الأم، ومن العنوان الذى يذهبان إليه، مستشفى الأطفال، ما لم يحتج أن يسأل عنه.

وكانت البنت تخاف من الترام فى الأيام الأولى. تمسك ذراع أمها بكلتا يديها، وتنظر إلى الأرض، وحين يهتز الترام عند التحويلات ترتعش كعصفور مبلول. فاقترب منها منصور ذات صباح، وانحنى حتى صار وجهه فى مستوى وجهها، وقال لها بجدية رجل يعرض وظيفة:

«بصى يا آنسة. أنا محتاج مساعد. الكمسارى لوحده مش قادر ينادى المحطات كلها. تشتغلى معايا؟»

ونظرت إليه البنت من تحت الطاقية الحمراء، ثم نظرت إلى أمها، ثم أومأت.

وعلمها المحطات. من سيدى بشر إلى الشاطبى، محطة محطة، بالنغمة نفسها. وكانت فى الأسبوع الأول تقولها بصوت خافت يكاد لا يُسمع، ثم صار صوتها يعلو يوماً بعد يوم، حتى صار الركاب ينتظرونها، وصار منصور يسكت عند كل محطة ويشير إليها، فتقف على المقعد، وأمها ممسكة بطرف جلبابها، وتصيح: «سان ستيفاااانو!» فيصفق لها بعض الركاب. وكانت تنتظر «كليوباترا» من أول الطريق، فإذا بلغتها غنتها كما يغنيها هو، وأكثر، حتى يضحك عم رجب فى كابينته.

وكان منصور يدفع لها «أجرتها» فى آخر كل رحلة: تذكرة مخرومة يضعها فى كفها بجدية، ويقول: «يوميتك يا كمسارية.» فتطويها وتضعها فى جيب الجلباب بعناية من يدّخر.

ثم، فى صباح من آخر فبراير، لم تركب.

ولا فى اليوم التالى. ولا فى الأسبوع الذى بعده.

ولم يسأل منصور. فالكمسارى لا يعرف عن ركابه عناوين ولا أسماء كاملة، يعرف المحطة التى يصعدون منها والمحطة التى ينزلون فيها، وما بينهما. وقال لنفسه إنهم ربما انتقلوا، وربما صار للبنت علاج فى مكان آخر. ولم يصدق نفسه. فقد كان يعرف ما تعنيه الطاقية الحمراء، وما يعنيه أن يختفى طفل من ذلك المستشفى فجأة.

وفى الشهر التالى، دون أن يقرر ذلك، كف عن غناء المحطات. صار ينادى بها كما ينادى غيره، بصوت مستو قصير، ثم صار لا ينادى إلا حين يسأله أحد. وحين سأله عم رجب بعد شهور: «هو إنت بطلت تغنى ليه يا منصور؟» قال إن صوته تعب. وكان ذلك صحيحاً، بطريقة ما.

لوحة سادسة: استراحة فى فيكتوريا

فى الواحدة ظهراً، فى محطة فيكتوريا، حيث ينتهى الخط عند دوران واسع من القضبان كأنه أنشوطة تلتف حول حديقة صغيرة متربة فيها شجرتا فيكس عجوزان وكرسيان حجريان، توقف الترام نصف ساعة للاستراحة.

وكانت فيكتوريا فى الظهر غير فيكتوريا فى الصباح. طلبة الكلية القديمة ذات الأسوار الحجرية يعبرون الشارع بحقائبهم الملونة، وبائع الذرة المشوية يهوّى على فحمه بقطعة كرتون، ورائحة الذرة تختلط برائحة الشحم المحترق على القضبان، وفوق كل شىء سماء الإسكندرية فى أكتوبر، رمادية فى ناحية زرقاء فى ناحية، كأنها لم تقرر بعد إن كانت ستمطر.

وكان زملاء منصور قد أعدوا له شيئاً. ففى ركن الاستراحة، على منضدة خشبية مغطاة بمفرش من البلاستيك المزهر، وضعوا تورتة صغيرة من محل فى سيدى بشر، مكتوب عليها بالكريمة الزرقاء: «مع السلامة يا عم منصور»، وقد ساحت الكريمة قليلاً فى الحر فصارت الكلمة الأخيرة «منصو». ووقف حوله سبعة رجال بقمصان الهيئة الزرقاء، كمسارية وسائقون، شبان وكهول، وقال كبيرهم كلمة قصيرة عن الإخلاص والأمانة، تعثر فيها مرتين، ثم أعطوه الهدية: ترام صغير من الخشب، مطلى بالأزرق والكريمى، صنعه نجار فى الورشة، مكتوب على جنبه بخط دقيق: «ترام الرمل – ٣٠ سنة».

وأخذ منصور الترام الخشبى بين يديه، وقلّبه، ورأى أن النجار صنع له أبواباً تنفتح، ومقاعد صغيرة فى الداخل، وفى العربة الأولى، عند الباب الخلفى، رجلاً صغيراً من الخشب واقفاً، وظهره إلى النافذة.

وضحك الجميع، وضحك منصور، ثم قال عم رجب، وهو يأكل قطعة التورتة بأصابعه الغليظة:

«النهارده آخر رحلة هسوقها بيك يا منصور. من بكرة هيدونى واد صغير اسمه حازم، كمسارى جديد، بيعد الفكة على الموبايل.»

«ربنا يعينه.»

«يعينه ولا يعيننى أنا؟»

وكانت الشابة جالسة على أحد الكرسيين الحجريين تحت شجرة الفيكس، وكراستها على ركبتيها، تأكل سندوتشاً صغيراً ولا ترسم. ومشى منصور إليها، والترام الخشبى تحت إبطه، وجلس على الكرسى الآخر، وكان ذلك أول جلوس له منذ الصباح.

«حضرتك ناوية تفضلى راكبة لحد إمتى؟»

«لحد آخر رحلة.»

«وبعدين؟»

ونظرت إلى الترام الخشبى، ثم إليه، وقالت:

«وبعدين هقول لحضرتك أنا مين. بس مش دلوقتى. فى آخر رحلة.»

«ليه آخر رحلة بالذات؟»

«علشان حضرتك علمتنى إن الكلام المهم يتقال على المحطة الصح.»

ولم يفهم منصور الجملة. أو فهمها، فى مكان ما من نفسه، ورفض أن يفهمها، كما يرفض الإنسان أن يصدق أن البيت الذى هُدم فى طفولته ما يزال قائماً فى حلمه. وقام، وعاد إلى الترام، وكان عم رجب يرن جرسه رنتين قصيرتين.

وفى رحلة العودة الأولى بعد الظهر، وقف منصور فى ركنه يفكر فى الأيام التى ستأتى. كان قد رأى زملاء كثيرين يخرجون إلى المعاش، ورأى ما يحدث لهم بعد شهور قليلة: يأتون إلى المحطة فى الصباح الباكر بلا سبب، بقمصان مدنية لا تعرف كيف تقف على أكتافهم، ويقفون على الرصيف ينظرون إلى الترام وهو يتحرك كما ينظر البحار المتقاعد إلى سفينته فى الميناء، ثم يركبون محطتين ويدفعون ثمن التذكرة لشاب لا يعرفهم، ويقولون له إنهم كانوا على هذا الخط، فيقول الشاب «أهلاً يا حاج» ويمضى إلى الراكب التالى. ولم يكن منصور يخاف الفراغ، فالفراغ يُملأ. كان يخاف شيئاً أصغر وأقسى: أن يصير وجهاً بين الوجوه، لا يعرفه أحد بالمحطة التى يصعد منها، ولا يعرف هو أحداً.

لوحة سابعة: نوة على الإبراهيمية

فى العصر جاءت النوة.

لم تأتِ كما تأتى نوات نوفمبر الكبيرة، التى تقلب البحر على الكورنيش وتغرق الأنفاق وتجعل الإسكندرية كلها مركباً واحداً يتمايل، بل جاءت خفيفة، نوة صغيرة من نوات أكتوبر، كأنها جاءت لتلقى السلام وتمضى. اسودت السماء فوق البحر فجأة، وهبت ريح باردة مالحة دخلت من النوافذ المفتوحة فقلبت صفحات الجرائد وأطارت طرحة سيدة حتى أمسكها شاب فى الهواء، ثم انهمر المطر.

وأغلق الركاب النوافذ، فغبش الزجاج، وصار البحر فى فتحات الشوارع لا يُرى إلا لطخات رمادية تتحرك. وتكدس فى الترام كل من كان ينتظر تحت المظلات: موظفون خرجوا مبكرين، وطالبات بمعاطف مبللة، ورجل يحمل قفصاً فيه بطتان تنظران إلى المطر بازدراء، وامرأة عجوز تحمل كيس برتقال تمزق قاعه فتدحرج البرتقال على أرض العربة، فانحنى نصف الركاب يجمعونه ويعيدونه إليها واحدة واحدة كما يعيد الناس للغريق ما سقط منه.

وفى وسط هذا كله، كان منصور يمشى بين الركاب بالخرامة، والمطر يقطر من كميه، وأحس أنه لا يريد لهذه الرحلة أن تنتهى. فقد كانت العربة، فى تلك الساعة، تشبه الإسكندرية التى أحبها: مزدحمة، مبللة، ضيقة الخلق قليلاً وواسعة القلب كثيراً، كل واحد فيها يشكو من الآخر ويمسك له البرتقال.

وفى الإبراهيمية صعد الأستاذ فهمى مرة ثانية، على غير عادته فى العصر، مبللاً حتى العظم، وفى يده كتاب صغير ملفوف فى كيس بلاستيك. وشق طريقه بين الركاب حتى بلغ منصور، ومد الكتاب إليه.

«ده علشانك. ديوان شعر قديم، من مكتبتى. فيه قصيدة عن البحر. إنت عمرك ما بصيت للبحر يا منصور، أنا مراقبك من عشرين سنة. اقرأها وإنت قاعد.»

وفى كامب شيزار، فى رحلة العودة، كانت أم سعيد تنتظر تحت المظلة، وقد جاءت خصيصاً، ومعها لفة من ورق الجرائد فيها قطعة جبن كبيرة، دستها فى حقيبته فوق بكرة التذاكر، وقالت: «لزوم الفطار بكرة. علشان تفتكر إن فيه ناس صاحية بدرى غيرك.»

وفى الشاطبى، عند الباب الأوسط، ظهر زيزو. لم يقفز هذه المرة. صعد على الدرجة الحديدية بهدوء، وهو يرتجف من البرد، ومد يده إلى منصور بشىء: محفظة جلدية سوداء قديمة.

«دى بتاعة الراجل اللى قاعد هناك. وقعت منه فى المحطة.» ثم أضاف بسرعة، قبل أن يسأله منصور: «والله وقعت منه. أنا لقيتها بس.»

ونظر منصور فى عينى الصبى، فوجد فيهما صدقاً مرتبكاً، صدق من يقوله لأول مرة ولا يعرف بعد كيف يُقال. فأخذ المحفظة، وأعادها إلى صاحبها، ثم قطع لزيزو تذكرة، وخرمها، ووضعها فى كفه، وقال:

«يوميتك.»

ونظر إليه الصبى بدهشة، ولم يفهم. وكانت الشابة فى مقعدها تنظر إليهما، وقد توقف القلم فى يدها، ورأى منصور، فى لمحة سريعة، أن عينيها قد امتلأتا.

ثم سكت المطر كما بدأ، فجأة، ولمعت الأرصفة، وخرجت شمس صفراء منخفضة من بين الغيم وألقت على النوافذ المبللة ضوءاً ذهبياً، فصار الترام من الداخل كأنه مضاء بالشموع.

ووصلوا إلى الرمل فى الخامسة والنصف. وكانت الرحلة التالية هى الأخيرة.

لوحة ثامنة: كليوبااااترا

تحرك الترام من محطة الرمل فى رحلته الأخيرة إلى فيكتوريا والشمس تغرق فى البحر خلف قلعة قايتباى البعيدة، فتصبغ الواجهات القديمة فى الميدان بلون المشمش، وتلمع فى زجاج النوافذ العليا كأن فى كل بيت شمعة. وكانت العربة الأولى ممتلئة بالركاب، وفيهم كثيرون من ركاب منصور جاءوا عمداً: الأستاذ فهمى بجرائده، وأم سعيد بمشنتها الفارغة، والست حنان الخياطة وابنها ذو الحلة، وبعض الوجوه التى لم يعرف أنها تعرفه.

ووقف منصور فى ركنه، عند الباب الخلفى، وظهره إلى النافذة. ورن عم رجب جرسه رنتين، ثم، على غير عادته، رنة ثالثة طويلة.

وكانت الشابة جالسة فى مقعدها المقابل. لكنها لم تفتح الكراسة.

وفى الشاطبى، حين أبطأ الترام، وقفت.

وقفت فى منتصف العربة، ممسكة بالعمود المعدنى، وأخذت نفساً، ثم نادت، بصوت عالٍ صاف يملأ العربة، بالنغمة القديمة نفسها، يمد آخر الاسم مداً طويلاً كأنه يرسله إلى البحر:

«شاطبىىىى!»

وسكتت العربة.

وتجمد منصور فى ركنه، والخرامة فى يده.

وتحرك الترام، ومرت دقيقة كأنها سنة، ثم أبطأ، ونادت الشابة:

«كامب شيييزار!»

ورأى منصور الأستاذ فهمى يخفض جريدته ببطء. ورأى أم سعيد تضع يدها على صدرها. ورأى فى الكابينة الأمامية ظهر عم رجب يعتدل، ورأسه يميل قليلاً نحو الخلف، كأنه يسمع صوتاً من بئر قديمة.

«إبراهيمييية!»

«سبورتنج!»

وكان منصور يعرف ما سيأتى بعد سبورتنج. وكان قلبه يدق دقات العجلات على وصلات القضبان، طق طق، طق طق، وأحس أن العربة كلها تنتظر معه، أن الركاب الذين لا يعرفون شيئاً يعرفون أن شيئاً يحدث.

وأبطأ الترام. ونظرت إليه الشابة، فى عينيه مباشرة، كما نظرت إليه بنت صغيرة من تحت طاقية حمراء منذ اثنين وعشرين عاماً، وقالت المحطة غناءً، صعوداً وهبوطاً، كأنها ترفع الملكة على كتفيها ثم تضعها بلطف على الرصيف:

«كليووو باااااترا!»

ولم يسمع منصور شيئاً بعد ذلك. لا صرير الفرامل، ولا ضحكة طفل فى آخر العربة صفق دون أن يعرف لماذا، ولا صوت عم رجب يقول فى كابينته شيئاً لم يسمعه أحد. سقطت الخرامة النحاسية من يده على أرض العربة، ورنت رنة صغيرة، ولم ينحنِ ليلتقطها.

ومشت الشابة نحوه بين الركاب، ووقفت أمامه، وفتحت الكراسة السوداء على صفحتها الأولى. وكانت هناك، ملصقة بشريط لاصق اصفرّ مع الزمن، تذكرة ترام صغيرة باهتة، مخرومة ثقباً واحداً كعين عصفور. وتحتها، بخط طفلة كبير مائل: «يوميتى».

قالت، وصوتها يرتجف الآن، صوت امرأة لا صوت كمسارية:

«أنا نور يا عم منصور. الكمسارية بتاعتك.»

ولم يستطع أن يتكلم. مد يده ولمس التذكرة الملصقة بطرف إصبعه، كما يلمس الإنسان شيئاً يخاف أن يختفى.

وحكت، والترام يمضى، بصوت خافت لا يسمعه إلا هو ومن حوله. أن الأطباء فى ذلك الفبراير قالوا لأمها إن علاجها لم يعد ممكناً فى الإسكندرية، وإن عليها أن تسافر إلى القاهرة فوراً، فسافرتا فى الليلة نفسها، ولم يكن هناك وقت لتوديع أحد، ولا كانت أمها تعرف أن فى الترام أحداً يستحق التوديع. وأنها قضت فى القاهرة سنتين فى غرف بيضاء، وأن الإبر كانت تؤلمها، والليالى كانت طويلة، وأنها كانت تغمض عينيها عند كل إبرة وتبدأ تقول المحطات فى سرها، بالنغمة نفسها، من سيدى بشر إلى الشاطبى، ثم من الشاطبى إلى الرمل، ثم من الرمل إلى فيكتوريا.

«وكانت الإبرة دايماً تخلص قبل فيكتوريا. كنت بقول لنفسى: لو وصلت كليوباترا، يبقى عدّت.»

ثم قالت إنها شُفيت، وعادت مع أمها إلى الإسكندرية بعد سنوات، لكن إلى حى آخر وخط آخر، وإنها كبرت ودرست الفنون الجميلة، وصارت ترسم كتب الأطفال، وإنها كانت ترى الترام الأزرق من بعيد وتخاف أن تركبه، تخاف أن تجد الكمسارى قد تغير، أو لا تجده. وإنها قرأت منذ شهر، فى صفحة على الإنترنت يكتب فيها ركاب الترام ذكرياتهم، أن «عم منصور اللى كان بيغنى المحطات» سيخرج إلى المعاش آخر أكتوبر.

«فقلت لازم أركب معاك آخر يوم. ولازم أرسمك. علشان الكتاب.»

وقلبت الكراسة، فرأى نفسه. عشرات المرات. واقفاً، مائلاً، يخرم، يعد الفكة، يضع يده على كتف زيزو، يمد التذكرة للصبى ذى الحلة. وفى الصفحة الأخيرة رسمة لم تكتمل بعد: رجل بقميص أزرق جالس على مقعد ترام، ووجهه إلى النافذة، وفى النافذة البحر.

«دى نهاية الكتاب. بس لسه مش عارفة أرسمها، علشان عمرى ما شفتك كده.»

لوحة تاسعة: تذكرة راكب

فى فيكتوريا، حين دار الترام حول حديقته الصغيرة المتربة وتوقف، لم ينزل أحد من العربة الأولى.

وكان على الرصيف شاب نحيل فى قميص الهيئة الأزرق الجديد، الذى ما تزال ثنيات المصنع واضحة فيه، يحمل حقيبة جلدية لامعة لم يلن جلدها بعد، ويقف وقفة من لا يعرف أين يضع يديه. وصعد إلى العربة على استحياء، وقال بصوت خفيض:

«مساء الخير يا عم منصور. أنا حازم. قالوا لى أطلع معاك رحلة الرجوع علشان أتعلم.»

وكان عم رجب قد قال إنه يعد الفكة على الموبايل، وكان ذلك صحيحاً، فقد رأى منصور الهاتف فى يده الأخرى، وعلى شاشته جدول صغير ملون. وفكر أن الأجيال لا تختلف فى الأدوات بقدر ما تختلف فى الخوف منها: كان هو يخاف أن تضيع منه الفكة، وهذا الشاب يخاف أن تضيع منه الشبكة، وكلاهما فى النهاية يخاف أن يقف أمام راكب لا يعرف كيف يرد عليه.

ونظر إليه منصور، إلى وجهه الذى لم تعمل فيه الشمس بعد، وإلى الحقيبة اللامعة، وإلى يديه المرتبكتين، فرأى نفسه منذ ثلاثين عاماً، على هذا الرصيف نفسه، يستمع إلى كمسارى عجوز يقول له إن الكمسارى ظهره للشباك ووجهه للناس.

ثم انحنى، والتقط الخرامة النحاسية من أرض العربة حيث سقطت، ومسحها بكم قميصه، ووضعها فى يد حازم، وأغلق أصابعه عليها.

«الرحلة دى بتاعتك يا ابنى.»

ثم مد يده إلى حقيبته، فأخرج ثمن تذكرة، ومده إلى الشاب.

وتردد حازم، ولم يفهم، ونظر إلى عم رجب فى كابينته، فأومأ له عم رجب برأسه إيماءة صغيرة. فقطع حازم التذكرة من بكرته، بيد ترتجف قليلاً، وخرمها بالخرامة النحاسية، ثقباً واحداً كعين عصفور، وناولها لمنصور.

وأخذها منصور. وكانت أول تذكرة يأخذها فى حياته بدلاً من أن يعطيها.

ثم نظر حوله، فرأى أن نور قد قامت عن مقعدها، المقعد المقابل لركنه، المقعد المجاور للنافذة، وأن الأستاذ فهمى قد أزاح جرائده، وأن أم سعيد قد رفعت مشنتها عن الأرض لتفسح الطريق. وكانت العربة كلها تنظر إليه، فى صمت، كما ينظر الناس إلى رجل يقف على حافة بحر لم ينزله قط.

وجلس.

وكان المقعد الخشبى دافئاً من جلوس نور، صلباً، أنعم مما توقع. وأحس بظهره، الظهر الذى وقف ثلاثين عاماً، يستند لأول مرة إلى شىء، فارتخت فيه عضلة لم يكن يعرف أنها مشدودة.

ورن عم رجب جرسه رنتين قصيرتين، وتحرك الترام.

وفى سيدى بشر، أبطأ حازم عند الباب، وتنحنح، ونادى المحطة بصوت قصير خافت. ثم نظر إلى نور، فابتسمت له، فنادى المحطة التالية بصوت أعلى قليلاً، ومد آخرها مداً صغيراً، متردداً، كمن يجرب حذاء جديداً: «شووتس!». وضحك الأستاذ فهمى، وصفق ولد صغير فى آخر العربة.

أما منصور فلم يكن ينظر إلى أحد.

كان ينظر إلى النافذة.

كان الترام يمر بفتحات الشوارع العرضية، والليل قد نزل، وفى آخر كل شارع كان البحر يلمع لحظة ثم يختفى. لكنه لم يكن البحر الأزرق الذى يلمح طرفه فى الصباح من وراء كتفه. كان بحراً آخر، أسود فضياً، تتلألأ عليه أضواء الكورنيش كخيط طويل من اللؤلؤ، وفوقه قمر صغير مغسول بمطر العصر، وفى آخره، بعيداً، أضواء مراكب الصيد تتمايل كأنها تنادى بعضها. سان ستيفانو. شريحة من البحر. جليم. شريحة أخرى. رشدى. شريحة. كأن المدينة تقلّب له، أخيراً، صفحات الكتاب الذى ظل ظهره إليه ثلاثين عاماً، وتقلّبها ببطء، صفحة صفحة، لأنها تعرف أنه يقرأ لأول مرة.

وكانت نور جالسة فى المقعد المقابل، فى ركنه القديم تقريباً، والكراسة مفتوحة على ركبتيها، والقلم الرصاص يجرى على الصفحة الأخيرة جرياً سريعاً خفيفاً، كأنها تخشى أن يختفى المشهد قبل أن تمسكه. ولم يلتفت إليها. كان يعرف ما ترسمه.

وحين نادى حازم «كليوباترا»، ناداها بصوت عادى، قصيراً، دون غناء. وسكت لحظة. ثم نظر إلى منصور كأنه يستأذن، فلم يقل منصور شيئاً، ولم يحتج أن يقول. فقد كان صوت حازم سيجد نغمته وحده، يوماً ما، على محطة ما، حين يركب معه طفل خائف يحتاج إلى عمل.

وفى محطة الرمل، فى الثامنة مساء، كانت الست زينب واقفة على الرصيف الثالث، فى معطفها البنى القديم، تحمل مظلة مغلقة لم تحتج إليها، وقد جاءت دون أن يطلب منها أحد، كما تجىء الزوجات القديمات إلى المحطات حين يعرفن أن شيئاً ينتهى. ونزل منصور على الدرجة الحديدية ببطء، وفى يده الترام الخشبى الصغير، والديوان الملفوف فى البلاستيك، وفى جيب قميصه، فوق قلبه، تذكرة راكب واحدة، مخرومة ثقباً صغيراً.

ونظرت إليه زينب من رأسه إلى قدميه، كأنها تتأكد أنه هو، وقالت:

«رجعت راكب؟»

«رجعت راكب يا زينب.»

ومشيا نحو الميدان. وفى منتصف الطريق توقف منصور، والتفت، لا إلى الترام الذى بدأ يدور عائداً إلى الورشة بعرباته الثلاث المضاءة، بل إلى آخر الشارع العرضى المفضى إلى الكورنيش، حيث كان البحر يتنفس فى الظلام، واسعاً، هادئاً، كأنه كان واقفاً هناك طوال الوقت، وراء ظهره، ينتظر أن يلتفت.

ووقف ينظر إليه طويلاً، وزينب تمسك ذراعه ولا تستعجله، حتى سمع من بعيد، من ناحية الشاطبى، صوت ترام يبطئ، وصوتاً شاباً خافتاً يمد آخر اسم المحطة مداً صغيراً، ثم أطول قليلاً، كأنه يرسله إلى البحر.

الصورة: صورة تعبيرية للقصة.
قصة من تأليفنا: أحداثها وشخصياتها من وحى الخيال.
شارك الخبر: فيسبوك واتساب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top