كل عام، ومع اقتراب السادس من أكتوبر، يعود اسم واحد ليتصدر صفحات التواصل الاجتماعى فى مصر: عمرو طلبة، أو «العميل 1001». تنتشر صور ومقاطع ومقولات منسوبة إليه، وتتكرر حكاية الشاب الذى قيل إنه عاش سنوات داخل إسرائيل باسم يهودى، ثم سقط شهيدا فى يوم العبور وهو يرسل آخر رسائله إلى القاهرة.
لكن خلف هذا الحضور الطاغى سؤال يستحق أن يُطرح باحترام: ماذا نعرف فعلا عن عمرو طلبة؟ وأين تنتهى الوثيقة ويبدأ الخيال الدرامى؟ فى هذا الملف نروى القصة كما وصلت إلينا، وننسب كل تفصيلة إلى مصدرها، ثم نتوقف عند ما يمكن إثباته وما لا يزال فى حكم الرواية.
من أين جاءت الحكاية؟
عرف الجمهور المصرى «العميل 1001» على نطاق واسع من خلال المسلسل الذى عُرض فى رمضان 2005، من تأليف الكاتب الراحل نبيل فاروق وإخراج شيرين عادل، وبطولة مصطفى شعبان فى دور عمرو طلبة، إلى جانب نيللى كريم. ونبيل فاروق اسم ارتبط لدى أجيال كاملة بأدب المخابرات والمغامرات، وهو صاحب سلسلة «رجل المستحيل» الشهيرة، وقد كتب عن القصة أيضا فى مقالات لاحقة.
وتذكر تقارير صحفية مصرية، من بينها تقرير لبوابة الأهرام نُشر فى أكتوبر 2019، أن الحكاية قُدمت قبل التليفزيون فى مسلسل إذاعى، وأن أصلها كتاب بعنوان «شهيد اسمه موشى» منسوب إلى أحد ضباط المخابرات المصرية. غير أننا لم نعثر على بيانات نشر موثقة لهذا الكتاب، ولا على اسم مؤلفه أو تاريخ صدوره، وهو ما يجعل الإحالة إليه حتى الآن جزءا من الرواية نفسها لا دليلا مستقلا عليها.

تقول الرواية: البداية بعد النكسة
تبدأ القصة، بحسب ما نشرته الصحف نقلا عن نبيل فاروق وعن المسلسل، فى الأيام الثقيلة التى أعقبت هزيمة يونيو 1967، حين كانت مصر تبحث عن طريق لاستعادة الأرض والكرامة، وكان جمع المعلومات عن العدو جزءا أساسيا من الاستعداد للمعركة.
وتقول الرواية إن عمرو مصطفى طلبة كان طالبا فى السنة الإعدادية بكلية الهندسة، وإن والده كان ضابطا كبيرا فى المخابرات يُعرف بالاسم الكودى «الصقر»، وإنه هو من فاتح ابنه فى المهمة. وتضيف أن الجهاز وجد شبها لافتا بين عمرو وشاب يهودى توفى فى أحد مستشفيات طنطا دون أن يُستدل على أهله، فتقرر أن ينتحل عمرو هويته.
ويرد اسم الهوية المنتحلة بصيغ مختلفة بين المصادر: «موشى رافى» و«موشى زكى رافى» و«موسى زكى رافع». ويشير تقرير الأهرام إلى أن اختيار الهوية سبقته مراجعة ملفات آلاف من اليهود الذين عاشوا فى مصر، وأن عمرو تلقى تدريبا مكثفا على اللغة العبرية وعلى التشغيل اللاسلكى قبل سفره.

حياة مزدوجة كما رسمتها الدراما
وفق الرواية الشائعة، بدأت العملية عام 1969، فسافر عمرو أولا إلى اليونان، ومنها هاجر إلى إسرائيل باعتباره مهاجرا يهوديا. وهناك، كما يروى تقرير الأهرام، عمل فى وظائف مدنية متواضعة، منها العمل فى مستشفيات ومكتبات، وبنى شبكة علاقات ساعدته تدريجيا على الاقتراب من المؤسسة العسكرية.
وتمضى الحكاية إلى أنه التحق بالجيش الإسرائيلى، وانتهى به الأمر إلى الخدمة فى سيناء قرب خط المواجهة، وأنه كان يرسل إلى القاهرة عبر جهاز لاسلكى معلومات عن مواقع الرادار وبطاريات الصواريخ وتحركات الوحدات. وفى رواية منشورة على موقع ديوان العرب عام 2016، يرد أن المخابرات المصرية تمكنت من إيصال جهاز إرسال إليه هناك.

وقد أضاف المسلسل إلى هذا الهيكل كثيرا من الخطوط الإنسانية: صراع الهوية، والحنين إلى الأهل، والعلاقات التى يضطر البطل إلى بنائها وهو يعرف أنها قائمة على قناع. واللافت، كما رصدت كتابات صحفية وقت العرض، أن العمل قدم شخصيات يهودية رافضة للصهيونية وداعية للسلام، وهى زاوية كانت جديدة نسبيا على الدراما المصرية آنذاك.
السادس من أكتوبر كما ترويه القصة
تبلغ الحكاية ذروتها ظهر السبت 6 أكتوبر 1973. تقول الرواية إن المخابرات المصرية طلبت من عمرو قبل ساعة الصفر أن يغادر موقعه حفاظا على حياته، لكنه رفض وظل يرسل المعلومات عن المخازن والمواقع المحصنة بينما كانت الطائرات المصرية تعبر والقوات تقتحم القناة.
وبحسب ما نشرته بوابة الأهرام، ظل يبث رسائله حتى سقط إثر انفجار فى وحدته قرب القنطرة، ثم عُثر على جثمانه ونُقل إلى القاهرة، حيث كُفن بالعلم المصرى. ويذكر التقرير اسم ضابط قيل إنه شارك فى نقل الجثمان، دون أن يتسنى لنا التحقق من ذلك من أى مصدر آخر.

هذه النهاية بالذات، الجندى الذى يرتدى زى العدو ويُدفن ملفوفا بعلم بلاده، هى المشهد الذى حفظه المصريون من المسلسل، وهى التى تتداولها الصفحات كل عام باعتبارها خلاصة معنى التضحية.
لماذا يعود عمرو طلبة كل أكتوبر؟
لا يمكن فهم انتشار هذه القصة بمعزل عن مكانة حرب أكتوبر فى الوجدان المصرى. فالعبور ليس مجرد حدث عسكرى، بل لحظة استعاد فيها جيل كامل ثقته بنفسه بعد سنوات النكسة. وفى هذا السياق تجد قصص الأبطال المجهولين صدى خاصا، لأنها تمنح الانتصار وجوها إنسانية وتذكّر بأن خلفه تضحيات لم يُكشف كثير منها حتى اليوم.
كما أن نجاح دراما المخابرات المصرية، من «دموع فى عيون وقحة» إلى «رأفت الهجان»، رسّخ لدى الجمهور قناعة بأن وراء كل مسلسل من هذا النوع ملفا حقيقيا. وقد استندت تلك الأعمال الأقدم بالفعل إلى قضايا حقيقية معروفة، فانسحبت الثقة نفسها تلقائيا على «العميل 1001»، خاصة مع ترويج بعض الصحف للقصة باعتبارها صفحة من ملفات المخابرات العامة.
ويضاف إلى ذلك أن مواقع التواصل ساهمت فى تحويل الشخصية الدرامية إلى رمز، إذ كثيرا ما تُنشر لقطات من المسلسل على أنها صور أرشيفية للبطل، وتُتداول جمل من الحوار على أنها كلماته الأخيرة، وهو خلط يتكرر كل عام.
بين الحقيقة والدراما
ما هو ثابت: أن مسلسل «العميل 1001» عُرض عام 2005 من تأليف نبيل فاروق وإخراج شيرين عادل وبطولة مصطفى شعبان، وأن القصة نُشرت بعد ذلك فى صحف ومواقع مصرية بوصفها قصة حقيقية، وأن نبيل فاروق كتب عنها. وثابت كذلك أن أجهزة المعلومات المصرية أدت دورا كبيرا فى الإعداد لحرب أكتوبر، وهو أمر لا خلاف عليه.
ما لم يثبت حتى الآن: وجود شخص حقيقى باسم عمرو طلبة قام بهذه المهمة. فبعد بحث موسع لم نعثر على بيان رسمى منشور من جهاز المخابرات العامة المصرية يؤكد القصة، ولا على وثائق أو سجلات مدنية أو عسكرية، ولا على قبر معروف أو صور مؤكدة له، ولا على بيانات نشر للكتاب المنسوب إلى ضابط المخابرات. وتصف ويكيبيديا العربية الشخصية بأنها خيالية، بينما تقدمها صحف مصرية أخرى كقصة واقعية دون إسناد قابل للتحقق. كما تتضارب المصادر فى تفاصيل أساسية مثل صيغة الاسم المنتحل.
لهذا يبقى «العميل 1001» حتى إشعار آخر رواية وطنية شائعة أكثر منه واقعة تاريخية موثقة. وهذا لا ينتقص من قيمة ما تمثله الحكاية، فهى تعبير صادق عن تقدير المصريين لأبطال حقيقيين كثيرين عملوا فى الظل وما زالت أسماؤهم طى الكتمان. وإذا كُشف يوما عن ملف موثق يؤكد القصة أو يصححها، فسيكون ذلك تكريما أعمق من أى مسلسل.
المصادر: gate.ahram.org.eg · ar.wikipedia.org · ar.wikipedia.org · www.diwanalarab.com · diwanalarab.com · www.albawabhnews.com · www.vetogate.com · www.dostor.org



