يعرفه ملايين المشاهدين باسم «نديم هاشم»، الضابط الهادئ الحاسم الذى جسده نبيل الحلفاوى فى مسلسل «رأفت الهجان»، ويرددون لقبه «قلب الأسد» كأنه اسم من أسماء البطولة الشعبية. لكن خلف الشخصية الدرامية رجل حقيقى اسمه محمد نسيم، أمضى قرابة خمسة عشر عاما فى جهاز المخابرات العامة المصرية، وارتبط اسمه بعمليات ما زال بعضها يُروى حتى اليوم بقدر من التحفظ.
فى «ملف أكتوبر» نحاول أن نقترب من سيرة هذا الرجل كما وثقتها المصادر المتاحة، وأن نفصل بين ما هو ثابت، وما رواه هو أو رواه عنه آخرون، وما أضافته الدراما.
من المغربلين إلى سلاح المدرعات
تشير المصادر المتاحة إلى أن محمد نسيم وُلد عام 1927 (وتذكر بعض المصادر 1928) فى القاهرة القديمة، فى حى المغربلين التابع للدرب الأحمر. ويروى الكاتب الصحفى عادل حمودة، فى مقال نشرته جريدة «الفجر» عام 2010، أنه فقد أمه قبل أن يتم عامه الثالث، وأن أسرته انتقلت وهو فى الخامسة عشرة إلى حى المنيرة، حيث انفتح أمامه عالم الرياضة.

وبحسب الرواية نفسها، صار بطلا للكلية الحربية والقوات المسلحة فى الملاكمة، ولعب الهوكى، ثم ترك الحلبة بعد نزال على بطولة الجيش عام 1951. ومن الرياضة أيضا جاء زواجه، إذ تذكر المصادر أنه اقترن بإحدى بطلات مصر فى الجمباز.
التحق بالكلية الحربية وتخرج فيها عام 1951 بعد عامين من الدراسة، وانضم إلى سلاح المدرعات. وتصفه ويكيبيديا العربية وتقارير صحفية بأنه كان من الضباط الأحرار فى صفهم الثانى، وشارك ضابطا فى حرب السويس عام 1956.
رجل «الخدمة السرية»
بعد حرب 1956 اختير للانضمام إلى جهاز المخابرات العامة، وكان الجهاز وقتها حديث النشأة. وعمل، وفق ما تذكره المصادر، فى قسم «الخدمة السرية» المعنى بالتخطيط لاختراق العدو وزرع العملاء، فى مقابل قسم الأمن القومى المختص بمكافحة التجسس فى الداخل.
ومع الوقت صار من مديرى العمليات فى عهد صلاح نصر، وتنقل عنه وعن معاصريه روايات تقول إن بعض مهامه كانت تأتيه بتكليف مباشر من الرئيس جمال عبد الناصر. وينقل عادل حمودة عن فتحى الديب، المسئول عن الشئون العربية فى رئاسة الجمهورية آنذاك، قوله ما معناه إن من يبحث فى تاريخ العمل الوطنى السرى سيجد أثرا لمحمد نسيم.
وبعد نكسة يونيو 1967 كان نسيم، بحسب الرواية ذاتها، عضوا بارزا فى لجنة التحقيق التى فحصت ما عُرف بانحراف جهاز المخابرات، وهى تحقيقات امتدت من أواخر أغسطس إلى منتصف أكتوبر 1967، وفق ما سجله حلمى السعيد فى مذكراته.

من سجن المزة إلى بيروت
من أقدم العمليات المنسوبة إليه تهريب عبد الحميد السراج، نائب رئيس الإقليم السورى فى دولة الوحدة، الذى سُجن فى سجن المزة بدمشق بعد الانفصال عام 1961. ويستند الكاتب سعيد الشحات فى «اليوم السابع» إلى رواية سامى شرف، ليذكر أن فريقا مصريا صغيرا تولى العملية، وكان نسيم أحد أفراده، وكان يعمل حينها فى السفارة المصرية ببيروت.

وتقول هذه الرواية إن السراج عبر الحدود إلى لبنان بمساعدة شبكة لبنانية، ونُقل إلى بيت نسيم فى بيروت حيث جرى تغيير ملامحه، ثم استقل طائرة إلى القاهرة فى مايو 1962. وتضيف ويكيبيديا العربية أن نسيم نجا فى لبنان من محاولة اغتيال بعبوة وُضعت فى سيارته، لكن هذه المعلومة لا تستند هناك إلى مرجع محدد.

«الحفار».. ليلة أبيدجان
أشهر ما يرتبط باسمه عملية «الحفار». ففى أواخر 1969 أعلنت إسرائيل عزمها التنقيب عن النفط فى خليج السويس قبالة سيناء المحتلة، وتعاقدت على منصة حفر بحرية تحمل اسم «كنتنج» (Kenting). ورأت القاهرة فى ذلك محاولة لاستغلال ثروة مصرية تحت الاحتلال، فكلف عبد الناصر جهاز المخابرات العامة برئاسة أمين هويدى بالتخطيط لإيقافها، بالتعاون مع القوات البحرية.
كانت المنصة، التى تصفها المصادر بأنها كندية، فى طريقها إلى المنطقة حين توقفت فى ميناء أبيدجان بساحل العاج. وهناك، فى فجر أحد أيام مارس 1970، ألحق فريق من الضفادع البشرية المصرية أضرارا بالغة بها بعبوات ناسفة. وتجمع المصادر المصرية على الحدث وإن اختلفت فى تحديد اليوم بين السابع والثامن من مارس، كما ورد خبر تخريب الحفار فى الموجز اليومى الذى قدمته المخابرات المركزية الأمريكية للرئيس نيكسون يوم 10 مارس 1970.
أما دور نسيم، فتصفه ويكيبيديا العربية وكتابات صحفية بأنه الضابط الميدانى وقائد العملية، بينما يذكر موقع «فيتو» أن الرائد خليفة جودت قاد مجموعة الضفادع البشرية، وأن نسيم تولى الجانب الميدانى مع آخرين. وقد وثق الكاتب صالح مرسى القصة فى كتابه «الحفار».
ويروى عادل حمودة أن نسيم تلقى التكليف من عبد الناصر شخصيا، وأنه أبلغ القاهرة بنجاح المهمة ببرقية مشفرة من كلمتين حملت تهنئة بـ«الحاج»، فى إشارة إلى الاسم الرمزى الذى عُرفت به العملية أيضا: «الحج». وبحسب حوار أجرته «المصرى اليوم» عام 2009 مع نجله هشام، كتب له عبد الناصر بعد العملية رسالة بخط يده يحيى فيها شجاعته الهادئة العاقلة.
نديم هاشم.. «قلب الأسد» على الشاشة
جاءت الشهرة الواسعة متأخرة، مع مسلسل «رأفت الهجان» الذى كتبه صالح مرسى وأخرجه يحيى العلمى، واستلهم قصة رفعت الجمال، العميل الذى حمل فى ملفات الجهاز الرقم 313 وعاش فى إسرائيل باسم «جاك بيتون». وفى المسلسل جسد نبيل الحلفاوى شخصية «نديم هاشم» التى تقول المراجع إن نموذجها الحقيقى هو محمد نسيم.

لكن العلاقة بين الأصل والصورة تحتاج إلى تدقيق. فالمصادر تنسب اكتشاف الجمال وتجنيده إلى الضابط عبد المحسن فائق، الذى جسده يوسف شعبان باسم «محسن ممتاز»، بينما تصف ويكيبيديا العربية دور نسيم بأنه إعادة تقييم الجمال وتدريبه فى مرحلة لاحقة. ويتسق ذلك مع ما قاله الحلفاوى نفسه من أن شخصيته لم تكن موجودة فى الجزء الأول من المسلسل.
ولقب «قلب الأسد» يرتبط فى الأذهان بالمسلسل، وإن كان عادل حمودة يذكر أنه لُقب به فعلا. وتنسب ويكيبيديا العربية إلى عبد المحسن فائق وصفه بـ«ذئب المخابرات الأسمر»، وهو عنوان كتاب عنه للصحفى نبيل عمر صدر عام 2000، بينما نقلت «المصرى اليوم» أنه عُرف فى إسرائيل بـ«الذئب الأسود».
وقد دافع نسيم علنا عن الجمال. فبحسب عادل حمودة، جاءه نسيم بعد تقاعده فى مجلة «روز اليوسف» غاضبا من تقارير إسرائيلية زعمت أن الجمال كان عميلا مزدوجا، وقال إن إسرائيل لم تعرف القصة إلا بعد أن أعلنتها مصر بنفسها. كما ظهر ضيفا فى برنامج «شخصيات فى حياتى»، الذى تستند إليه ويكيبيديا فى تاريخ خروجه من الجهاز.
يسرا وصلة القرابة
شاركت الفنانة يسرا فى الجزء الأول من «رأفت الهجان» بدور «هيلين سمحون»، أرملة ديفيد سمحون التى يتزوجها البطل، وهى الشخصية المستوحاة من زوجته الألمانية فالتراود. وتُنادى فى المسلسل بلقب «فراو سمحون»، و«فراو» لقب بالألمانية بمعنى «السيدة» وليس اسما، أما اسم الشخصية فهو هيلين.
أما القرابة، فتذكر ويكيبيديا العربية أن نسيم عم يسرا، واسمها الحقيقى سيفين محمد حافظ نسيم. وفى أكتوبر 2026 قالت يسرا فى حديث إذاعى، نقلته «عكاظ» و«الخليج»، إن عمها الراحل كان من رجال المخابرات المرتبطين بقصة الهجان، وإنها لم تدرك حجم العملية إلا بعد انتهاء تصوير الجزء الأول. فالصلة إذن قائمة على تصريحها وعلى ما تتداوله المراجع، دون وثيقة منشورة تحدد درجة القرابة بدقة.
ما بعد الجهاز.. والأسرة
ترك نسيم المخابرات فى مايو 1971 بعد أن طُلب منه ذلك، بحسب ما قاله فى برنامج تلفزيونى تستند إليه ويكيبيديا، وهو الشهر الذى شهد إقصاء عدد من رجال الحكم فيما سُمى «ثورة التصحيح»، ومنهم شعراوى جمعة الذى كان نسيم يعده من أصدقائه ومن الذين تأثر بهم.
وهنا ملاحظة مهمة: المسلسل يُبقى «نديم» إلى جوار الهجان حتى حرب أكتوبر، أما نسيم نفسه فيروى أن دوره مع رفعت الجمال كان إعادة تأهيله بعد نحو عام ونصف من سفره إلى إسرائيل، حين درس ملفه وقابله فى روما وكتب تقريرا بصلاحيته وأعاد تدريبه، أى فى مرحلة أبكر بكثير من 1971. ولم نجد فى المصادر ما يثبت أنه ظل مسئولا عن الهجان بعد خروجه من الجهاز، فهذا الامتداد حتى 1973 من صنع الدراما. واتجه إلى قطاع السياحة، فترأس هيئة تنشيط السياحة وتولى مناصب فى شركات وغرف سياحية. ورحل فجر الأربعاء 22 مارس 2000 إثر جلطة، عن ثلاثة وسبعين عاما.
وتذكر المصادر أن له ابنين، هشام وفؤاد، يعملان فى السياحة، وأن هشام سجل عام 2009، بحسب «اليوم السابع»، رقما قياسيا فى موسوعة جينيس بعبور بحر الرمال الأعظم بالسيارة.
أما ما يُتداول عن زواج أحد أبنائه من إسرائيلية، فلم يعد مجرد شائعة. ففى نوفمبر 2009، وبعد تقرير نشرته صحيفة «هآرتس»، أقر هشام نسيم بنفسه فى حوار مع «المصرى اليوم» بأنه ارتبط بامرأة إسرائيلية بزواج عرفى، ووصف ذلك بأنه «غلطة عمرى»، وقال إنها أشهرت إسلامها. وقد تناولت الصحافة المصرية القصة حينها على نطاق واسع.
وفى ديسمبر 2018 نشرت الجريدة الرسمية قرارا من مجلس الوزراء بإسقاط الجنسية المصرية عن ابنة هشام، وهى آنذاك فى الحادية والعشرين من عمرها. وكان السبب، بحسب ما نشرته الصحف عن القرار، حصولها على الجنسية الإسرائيلية دون إذن مسبق. ولم نعثر على تعليق علنى من الأسرة. والقصة كلها تخص جيلا لاحقا، ولا تمس سيرة محمد نسيم نفسه ولا ما قدمه.
بين الحقيقة والدراما
الثابت بمصادر متعددة: أن محمد نسيم ضابط مخابرات مصرى (1927-2000)، شارك فى حرب 1956 ثم التحق بالمخابرات العامة، وأن عملية الحفار وقعت فى أبيدجان فى مارس 1970 وارتبط اسمه بقيادتها الميدانية، وأنه شارك فى تهريب السراج عام 1962، وأنه النموذج الحقيقى لشخصية «نديم هاشم».
ما يستند إلى روايته أو روايات المقربين منه: تفاصيل البرقية، ورسالة عبد الناصر، وحكايات الملاكمة والطفولة، ودفاعه عن الجمال. وهى روايات لها قيمتها، لكنها لم توثق رسميا.
ما صنعته الدراما: بقاء «نديم» إلى جانب الهجان حتى حرب 1973، والمشاهد والحوارات التى جمعتهما، وتفاصيل التدريب كما عرضها المسلسل، فهذه من صنع صالح مرسى ويحيى العلمى.
ما يحتاج إلى حذر: نسبت جريدة «الجريدة» الكويتية عام 2008 إلى «العميد محمد نسيم» إدارة ملف الجاسوس على العطفى عام 1979، أى بعد سنوات من خروجه من الجهاز وفق المصادر الأخرى، فإما أنه ضابط آخر يحمل الاسم نفسه أو أنه خلط. كما تنسب إليه بعض الكتابات دورا فى تدمير المدمرة «إيلات» عام 1967، وهى عملية نفذتها زوارق الصواريخ البحرية، ولم نجد ما يثبت صلته بها. ووصفه بعض التقارير بأنه هو من جند الجمال، وهو ما يخالف الرواية الأشيع التى تنسب ذلك إلى عبد المحسن فائق.
وهكذا يبقى محمد نسيم واحدا من رجال الظل الذين عرف الناس أعمالهم قبل وجوههم، وعرفوا وجه الممثل قبل وجه الضابط.
المصادر: ar.wikipedia.org · ar.wikipedia.org · www.marefa.org · web.archive.org · www.almasryalyoum.com · www.youm7.com · www.vetogate.com · areq.net · gate.ahram.org.eg · www.cia.gov · www.goodreads.com · ar.wikipedia.org · arabicpost.net · www.egypttelegraph.com · akhbarelyom.com · ar.wikipedia.org · elcinema.com · www.okaz.com.sa · www.alkhaleej.ae · www.elwatannews.com · www.cairo24.com · www.washingtoninstitute.org · www.aljarida.com · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org



