فى مسلسل «رأفت الهجان» كان «محسن ممتاز» هو الوجه الذى يطمئن إليه البطل: ضابط هادئ النبرة، أبوى الملامح، يعرف متى يشد ومتى يرخى. جسده يوسف شعبان فصار من أشهر أدواره، وبقى الاسم فى ذاكرة المصريين حتى صار مرادفا لرجل المخابرات. لكن «محسن ممتاز» اسم فنى، أما صاحبه الحقيقى فهو اللواء عبد المحسن فائق الخويسكى، وتكتبه الصحافة المصرية أحيانا «عبد المحسن فايق»، وقد يُختصر إلى «محسن فايق».
فى «ملف أكتوبر» نتتبع سيرة هذا الرجل كما تسمح بها المصادر المتاحة، وهى قليلة ومتفاوتة القيمة، ونحاول أن نميز بين ما يتفق عليه أكثر من مصدر، وما يرويه شاهد واحد، وما صنعته الدراما أو أضافته صفحات الإنترنت.

من محلة قيس إلى الكلية الحربية
تتفق المصادر المتاحة، ومنها ويكيبيديا العربية وتقارير فى «بوابة أخبار اليوم» و«الدستور»، على أنه وُلد عام 1920 فى قرية محلة قيس التابعة لمركز شبراخيت بمحافظة البحيرة. وتذكر «الدستور» أنه ابن عمدة البلدة، وأنه انتقل إلى القاهرة حيث التحق بالكلية الحربية وتخرج فيها عام 1942.

وبحسب الصحيفة نفسها، شارك ضابطا فى حرب 1948، وهى التجربة التى قربته من تنظيم الضباط الأحرار. وتصفه ويكيبيديا العربية كذلك بأنه من الضباط الأحرار، دون تفاصيل عن موقعه فى التنظيم أو دوره ليلة 23 يوليو 1952، ولم نجد ما يضيف إلى ذلك.
بين مؤسسى الجهاز.. لا مؤسسه
تصف صفحات كثيرة، بينها تقرير لـ«بوابة أخبار اليوم» عام 2022، عبد المحسن فائق بأنه «مؤسس جهاز المخابرات العامة». وهذا وصف يحتاج إلى تصحيح. فالمصادر المرجعية تذكر أن الرئيس جمال عبد الناصر كلف زكريا محيى الدين، عضو مجلس قيادة الثورة، بإنشاء الجهاز، وأن قرار تأسيسه صدر عام 1954، وأن محيى الدين كان أول من تولى رئاسته حتى عام 1956، بينما تعيد «الدستور» وغيرها بداية العمل الفعلى إلى صيف 1953.

أما فائق فتورد ويكيبيديا العربية اسمه ضمن قائمة من سبعة عشر ضابطا كُلفوا بمهمة التأسيس، إلى جانب أسماء مثل صلاح نصر وأمين هويدى وشعراوى جمعة وفتحى الديب وحسن بلبل. ويؤيد ذلك ما رواه عمر الطودى، نجل ضابط المخابرات عبد العزيز الطودى، لصحيفة «الخليج» من أن فائق كان من الدفعة الأولى التى التحقت بالجهاز. فالدقيق إذن أنه من الجيل المؤسس، لا المؤسس. أما الرواية المتداولة عن «ثمانية» اختارهم عبد الناصر لتكوين الجهاز وكان فائق منهم، فلم نجد لها مرجعا موثقا.
وتتفق المصادر على أن مجال عمله الأساسى كان النشاط الخارجى الموجه ضد إسرائيل، وتذكر «الدستور» أنه كُلف به وهو فى أوائل الثلاثينيات من عمره.
الرجل الذى اكتشف رفعت الجمال
يرتبط اسم فائق قبل أى شىء بقصة رفعت الجمال، الشاب الدمياطى الذى عاش فى إسرائيل نحو سبعة عشر عاما باسم «جاك بيتون». وتلتقى عند هذه النقطة شهادتان من داخل الأحداث.
الأولى لأحمد رشدى، ضابط المباحث الذى صار لاحقا وزيرا للداخلية. فبحسب ما نقله موقع «صدى البلد» عند وفاته، روى رشدى أن عبد المحسن فائق طلب منه أن يرشح له شخصا يصلح للتجنيد، فرشح له رفعت الجمال.
والثانية لمحمد نسيم، الضابط الذى جسده نبيل الحلفاوى باسم «نديم هاشم». ففى حديثه لبرنامج «شخصيات فى حياتى» على تلفزيون الشارقة، كما نقله الكاتب سعيد الشحات فى «اليوم السابع»، نسب نسيم فكرة زرع الجمال داخل إسرائيل إلى زكريا محيى الدين وحسن بلبل، ثم قال إن فائق هو الذى اكتشفه وأعده. ووصف نسيم الجمال بأنه شاب مغامر متمرد طموح، وهى صفات رأى أنها جعلته مناسبا للمهمة.
وتضيف «الدستور» أن فائق خطط لعملية الزرع وأشرف عليها، وأن الجمال تعلق به تعلقا كبيرا. لكن تفاصيل هذا الإعداد، من تعليم العبرية إلى بناء الهوية الجديدة، لم تُنشر عنها وثائق رسمية تحدد من تولى كل جزء منها.

فائق ونسيم والطودى: من فعل ماذا؟
يجمع المسلسل أدوار عدة رجال فى شخصية واحدة تقريبا، أما الروايات المنشورة فتوزعها على أكثر من ضابط. فبحسب رواية نسيم نفسه، بدأ القلق يتسرب إلى الجمال بعد نحو عام ونصف من وصوله إلى إسرائيل، فكلفه شعراوى جمعة، رئيس الخدمة السرية آنذاك، بدراسة ملفه. والتقاه نسيم فى روما، وكتب تقريرا يؤكد صلاحيته وينفى عنه الشبهات، ثم أعاد تدريبه وأنشأ له شركة سياحة تكون غطاء لتحركاته.
ثم يأتى عبد العزيز الطودى، الذى جسده محمد وفيق باسم «عزيز الجبالى». فبحسب ما نقله سعيد الشحات عن نجله، التحق الطودى بالجهاز فى مطلع 1958 ضمن الدفعة الثانية، وصار «ضابط الحالة» الذى تابع الجمال سنوات طويلة. وهو الذى كتب ملخص القصة الذى قُدم إلى صالح مرسى عام 1985، وجلس إليه مرسى عشرات الساعات قبل كتابة الرواية، حتى إن مرسى وصفه فى حديث تلفزيونى بأنه المسئول عن تجنيد الهجان.
الصورة الأقرب إذن، بحسب ما هو منشور، أن فائق كان صاحب الاكتشاف والإعداد الأول، وأن نسيم تولى إعادة التقييم والتدريب، وأن الطودى أدار الحالة لسنوات، بينما يبقى كثير من التفاصيل حبيس الأرشيف.
من القاهرة إلى الولايات المتحدة
تذكر ويكيبيديا العربية و«بوابة أخبار اليوم» أن فائق ظل فترة طويلة يعمل فى الولايات المتحدة فى إطار مهمته الخارجية، وتربط «الدستور» ذلك بما بعد نجاح زرع الجمال، إذ تقول إن نشاطه انتقل إلى هناك. وتتسق هذه الإشارة مع ما يرويه نسيم من أن متابعة الجمال انتقلت إليه لاحقا. لكن لا يوجد فيما اطلعنا عليه أى تفصيل منشور عن طبيعة عمله فى أمريكا أو مدته أو نتائجه.
وبعد خروجه من الجهاز، تذكر ويكيبيديا العربية وموسوعة «المعرفة» و«الدستور» أنه عُين وكيلا لوزارة التموين، بينما قال المؤرخ أحمد زايد، مؤسس مجموعة «73 مؤرخين»، إنه أنهى حياته العملية فى وزارة السياحة. وتتفق المصادر على أنه رحل عام 1988، وتذكر ويكيبيديا أنه دُفن فى مسقط رأسه، دون تحديد يوم الوفاة.
أما عن شخصيته، فلا نملك شهادات مباشرة كثيرة. وصفه أحمد زايد بالذكاء، وبأسلوب يجمع بين الأبوة والحزم، وهو وصف يتسق مع الصورة التى قدمها المسلسل. ولم نعثر على معلومات منشورة عن أسرته يمكن الاستناد إليها، فتركنا هذا الجانب.
«الذئب الأسمر».. لقب لمن؟
تنسب بعض الصفحات لقب «الذئب الأسمر» إلى عبد المحسن فائق، والثابت غير ذلك. فكتاب «ذئب المخابرات الأسمر: الباب السرى لجمال عبد الناصر» للصحفى نبيل عمر، الصادر عام 2000 عن دار الفرسان، يروى سيرة محمد نسيم، ويتناول بحسب وصف ناشريه تهريب عبد الحميد السراج وعمليات أخرى ارتبطت باسمه. كما وصفت تقارير صحفية لاحقة، منها تقرير لموقع «مصراوى» عام 2015، نسيم نفسه بأنه «ذئب المخابرات».
أما صلة فائق باللقب، فتقوم على جملة فى ويكيبيديا العربية تقول إنه هو من أطلقه على نسيم، وهى جملة يضع عليها الموقع نفسه علامة «بحاجة لمصدر». فاللقب موثق لنسيم، وصلة فائق به رواية غير مسندة، ونسبته إلى فائق خلط بين الرجلين.
محسن ممتاز.. يوسف شعبان يرسم رجلا لم يره
فى المسلسل الذى كتبه صالح مرسى وأخرجه يحيى العلمى، وعُرض بين 1988 و1990، يظهر «محسن ممتاز» منذ البداية: يلفت نظره رأفت أثناء التحقيق معه، فيكشف حقيقته ويمنحه هويته اليهودية الجديدة، ثم يلتقيه فى الجزء الثانى فى روما وأمستردام. ويشير المسلسل على لسان «عزيز الجبالى» إلى أنه شارك فى تأسيس الجهاز.
وروى يوسف شعبان فى حوار مع «اليوم السابع» عام 2019 أنه لم يكن قد رأى ضابط مخابرات قبل أن يُعرض عليه الدور، فطلب من المؤلف والمخرج أن يلتقى واحدا ليدرس الشخصية. وقال إن صاحب الشخصية الأصلى، عبد المحسن فايق، كان قد توفى، فالتقى بدلا منه عبد العزيز الطودى، وتحدث معه طويلا وكان يصوره أحيانا ليتقن طريقته فى الكلام والتصرف.
وقد نجح شعبان، كما كتبت الصحافة عند رحيله فى فبراير 2021، فى أن يقدم رجل الأمن فى صورة إنسانية قريبة، يخاف على رجله ويرعاه كأب. وتعلق الجمهور بالشخصية حتى عاد شعبان إلى تقديمها بعد سنوات فى فيلمى «الفيل فى المنديل» و«المشخصاتى 2».
بين الحقيقة والدراما
الثابت بأكثر من مصدر: أن عبد المحسن فائق الخويسكى ضابط مصرى من مواليد البحيرة عام 1920، تخرج فى الكلية الحربية عام 1942، وكان من الجيل الأول فى المخابرات العامة، وعمل فى النشاط الخارجى ضد إسرائيل، وأنه هو النموذج الحقيقى لشخصية «محسن ممتاز»، وأن شهادتى أحمد رشدى ومحمد نسيم تنسبان إليه اكتشاف رفعت الجمال وإعداده، وأنه رحل عام 1988.
ما يستند إلى مصدر واحد أو روايات متأخرة: أنه ابن عمدة بلدته، ومشاركته فى حرب 1948، وتفاصيل عمله فى الولايات المتحدة، والمنصب الذى ختم به حياته بين التموين والسياحة.
ما صنعته الدراما: أن يرافق «محسن ممتاز» البطل من التحقيق الأول حتى اللقاءات فى أوروبا، فالواقع وفق الروايات المنشورة وزع هذه المراحل على فائق ونسيم والطودى. وكذلك المشاهد والحوارات كلها، فهى من صنع صالح مرسى ويحيى العلمى.
ما يحتاج إلى حذر: وصفه بأنه «مؤسس» الجهاز، وقصة «الثمانية»، ونسبة لقب «الذئب الأسمر» إليه. كما تنسب إليه ويكيبيديا العربية، ومقالات نقلت عنها، القبض على جاسوسين إسرائيليين فى العراق وإثيوبيا وتسليمهما إلى القاهرة، دون أى مرجع، ولم نجد ما يؤكد ذلك فى مصادر أخرى. ويبقى أيضا سؤال صغير بلا جواب حاسم: فإن صح أنه رحل عام 1988، فقد كانت وفاته قريبة جدا من بدء عرض المسلسل، وهو ما يجعل تاريخها الدقيق بحاجة إلى توثيق.
هكذا يبقى عبد المحسن فائق مثالا لرجال الظل الذين عرف الناس أثرهم من خلال ممثل، ولم يعرفوا وجوههم إلا متأخرين، وما زال جزء كبير من سيرتهم ينتظر أن تفتح له الملفات.
المصادر: ar.wikipedia.org · www.marefa.org · ar.wikipedia.org · www.dostor.org · akhbarelyom.com · almawq3.com · www.youm7.com · www.youm7.com · www.youm7.com · www.youm7.com · www.youm7.com · www.elbalad.news · www.elwatannews.com · www.eremnews.com · ar.wikipedia.org · ar.wikipedia.org · www.raffy.me · www.neelwafurat.com · www.masrawy.com · www.elbyan.com · ro2ya.ncdt.ngo · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org · ar.wikipedia.org



