على لسان من الأرض يمتد فى مياه المتوسط غرب الإسكندرية، يقف قصر رأس التين منذ نحو قرنين شاهدا على أهم تحولات تاريخ مصر الحديث. فيه رسخت أسرة محمد على حضورها الصيفى على البحر، ومنه خرج آخر ملوكها إلى المنفى، ثم انتقل إلى عهدة الجمهورية ليصبح أحد المقار الرسمية لرئيس الدولة. وبمناسبة الفيديو الذى نشرته رئاسة الجمهورية بعنوان «قصر رأس التين»، نعود إلى سيرة هذا المبنى كما ترويها المصادر التاريخية.
فيديو «قصر رأس التين» من القناة الرسمية لرئاسة جمهورية مصر العربية على يوتيوب
الموقع وأصل التسمية
يقع القصر فى حى رأس التين على الطرف الغربى للإسكندرية القديمة، مطلا على الميناء الغربى. وهذا اللسان البرى هو فى الأصل جزيرة فاروس القديمة التى ارتبط اسمها بمنارة الإسكندرية الشهيرة، قبل أن يصلها الردم والطمى بالبر عبر القرون. أما الاسم فيعود، بحسب الرواية المتداولة فى المصادر العربية والإنجليزية، إلى أشجار التين التى كانت تكثر فى الموقع قبل البناء، فصار المكان «رأس التين».

محمد على يضع حجر الأساس
بدأ محمد على باشا بناء القصر عام 1834، وانتهى البناء الأساسى عام 1845، أى بعد أحد عشر عاما، غير أن أعمال الاستكمال وإضافة الأجنحة استمرت حتى عام 1847 حين افتتح رسميا. وتذكر المصادر أن القصر شيد فى البداية على هيئة حصن، فى إطار مشروعات الوالى لتعزيز حضوره فى الإسكندرية، ثم أخذ يكتسب ملامح أوروبية مع تقدم العمل.

شارك فى البناء مهندسون أجانب، تذكر المصادر العربية منهم الفرنسى سيريزى بك، الذى استقدمه محمد على لإنشاء ترسانة الإسكندرية وعهد إليه بتصميم جناح الحريم، إلى جانب مهندسين آخرين، بينما تنسب المصادر الإنجليزية تصميم بوابة الدخول بشعارها إلى الإيطالى بيترو أفوسكانى. ولا يزال من القصر الأول الباب الشرقى، الذى أدمج فى البناء اللاحق: ستة أعمدة من الجرانيت تعلوها تيجان مصرية، وعتب تزينه دوائر نحاسية كتبت فيها آية قرآنية وعبارات عن العدل، ويكتنفه تمثالان لأسدين، ويتوسطه اسم «محمد على» وتاريخ 1261 هجرية.
ويروى تقليديا أن القصر شهد مفاوضات محمد على مع الأميرال البريطانى تشارلز نابير خلال أزمة 1840، وفيه توفى مؤسس الأسرة فى 2 أغسطس 1849.
من إسماعيل إلى عباس حلمى الثانى
فى عهد الخديو إسماعيل صار القصر المصيف الرسمى لحكام الأسرة، ومد إليه خط سكة حديد خاص بمحطة داخل أسواره، وأضيف إلى واجهته رواق كلاسيكى. وتذكر بعض المصادر العربية أن الهاتف دخل القصر عام 1879. وفى العام نفسه عُزل إسماعيل بضغط بريطانى وفرنسى، وغادر مصر على متن يخته «المحروسة».

وفى عهد ابنه الخديو توفيق، وخلال أحداث 1882 وقصف الأسطول البريطانى للإسكندرية، نُقل الخديو من قصر الرمل إلى رأس التين الذى أقام فيه معظم فترة الحملة، بينما اتخذت قوة إنزال بحرية بريطانية من القصر مقرا لها. أما الخديو عباس حلمى الثانى فاتجه اهتمامه إلى منطقة المنتزه شرق المدينة، وإن بقى رأس التين ضمن القصور الرسمية للأسرة.
فؤاد وفاروق: العاصمة الصيفية
فى عشرينيات القرن الماضى أعاد الملك فؤاد الأول بناء القصر تقريبا بالكامل، على يد المهندس الإيطالى إرنستو فيروتشى، ويضيف المصدر العربى اسم المهندس حسن باشا العدوى. وجاء القصر الجديد من ثلاثة طوابق، شبيها بقصر عابدين وإن كان أصغر منه، وألحق به مسجد، وزودت قاعاته بأثاث فاخر صممت كثيرا منه ورشة صانع الأثاث الباريسى فرانسوا لينكه. ويذكر المصدر العربى أن التكلفة بلغت نحو أربعمائة ألف جنيه.

وطوال أشهر الصيف كان القصر مقر الملك، وتنتقل الحكومة معه إلى الإسكندرية التى كانت تعمل عاصمة صيفية للبلاد. وأضاف الملك فاروق مبنى للأميرات، وبعد الحرب العالمية الثانية أنشأ حماما بحريا على حاجز الأمواج يتصل بالقصر عبر ممر طويل ضيق، كان يقطعه بسيارة جيب حين تعلوه الأمواج.
26 يوليو 1952: الخروج من الرصيف
بعد ثلاثة أيام من تحرك الضباط الأحرار، انتقل فاروق فى 25 يوليو إلى رأس التين. وصباح 26 يوليو حمل إليه رئيس الوزراء على ماهر إنذار الجيش بالتنازل عن العرش ومغادرة البلاد، بينما كانت الدبابات تحيط بالقصر. وقع الملك وثيقة التنازل لابنه الرضيع أحمد فؤاد، الذى نودى به ملكا باسم فؤاد الثانى، وتذكر المصادر العربية أن التوقيع جرى فى القاعة المستديرة بالطابق الأرضى.

وقرب السادسة مساء غادر فاروق القصر ومعه الملكة ناريمان وأبناؤه، ونزل من سلم يصل إلى مرسى اليخت، ليستقل «المحروسة» إلى نابولى فى إيطاليا. وكان اليخت نفسه قد حمل جده إسماعيل إلى المنفى قبل ثلاثة وسبعين عاما، فى مفارقة يتوقف عندها كثير من المؤرخين.
فى عهد الجمهورية
بعد إعلان الجمهورية آلت القصور الملكية إلى الدولة، واستخدم رأس التين مقرا رئاسيا واستقبال ضيوف الدولة. وفى عام 2015 سجل القصر فى عداد الآثار الإسلامية والقبطية، وفى العام التالى أنجزت شركة المقاولون العرب، بتكليف من رئاسة الجمهورية، مشروعا لترميم الواجهات الرئيسية شمل تدعيم الجدران، وإزالة التكسيات الحديثة لإظهار الرخام الأصلى، وترميم الباب الشرقى وأعمدته الجرانيتية، ومعالجة العناصر النحاسية ضد البيئة البحرية وإعادة تذهيب نص الإنشاء وتاريخه. ولا يزال القصر اليوم أحد المقار الرسمية لرئيس الجمهورية، ويوصف بأنه أقدم قصر ملكى مصرى ما زال مستخدما.
العمارة والقاعات
يتخذ القصر هيئة قصور عصر النهضة الإيطالى، مع عناصر من الباروك والطراز المغربى، بينما تمزج زخارفه الداخلية بين الطرز البيزنطية والفرنسية والحديثة. وبحسب الوصف المنشور، يضم الطابق الأول قاعة العرش التى عرفت قديما بقاعة الفرمانات، وقاعة الولائم الرئيسية، وقاعة مستديرة مضاءة صناعيا، وجناحى الملك والملكة، وصالونا كبيرا بشرفة تطل على الميناء. وفى الطابق الأرضى صالون الحرملك والقاعة المستديرة التى شهدت التنازل، بينما يقود القبو إلى السلم النازل نحو مرسى اليخت. وتحيط بالمبنى حدائق واسعة، وإن اختلفت المصادر فى تقدير مساحة القصر وحدائقه بين نحو 12 و22 فدانا.
المحروسة: رفيقة القصر فى البحر
بنى اليخت «المحروسة» عام 1863 فى أحواض سامودا براذرز على نهر التايمز بطلب من الخديو إسماعيل، وتسلمه طاقمه بعد عامين. وأدخلت عليه تعديلات كبيرة، منها استبدال عجلتيه الجانبيتين بمراوح تديرها توربينات بخارية عام 1905. وبعد 1952 أعيد إلى مصر وانضم إلى القوات البحرية باسم «الحرية»، ثم استعاد اسمه الأصلى عام 2000، وكان أول سفينة تعبر قناة السويس الجديدة فى أغسطس 2015، ويعد اليوم من أقدم اليخوت العاملة فى العالم.
حكايات من دفتر القصر
من أطرف ما يرتبط بالقصر أن الرسام الفرنسى هوراس فيرنيه وابن أخته فريدريك جوبيل فيسكيه وصلا الإسكندرية فى خريف 1839 حاملين آلة التصوير الجديدة، وتنقل تقارير مصرية أنهما التقطا فى 7 نوفمبر من ذلك العام صورة لجانب من قصر محمد على برأس التين، تعد من أقدم الصور الفوتوغرافية فى مصر. ومن الحكايات أيضا أن القصر استضاف خلال الحرب العالمية الثانية مقرا ومستشفى للقيادة البحرية البريطانية، بحسب مصادر إنجليزية.
هل يمكن زيارته؟
لا يعمل القصر متحفا كما هو حال قصر المنتزه، ولا تتوفر مواعيد رسمية منشورة لزيارته، إذ يظل مقرا رئاسيا مغلقا أمام الجمهور، ويحيط به مجمع بحرى. ويكتفى زوار المنطقة عادة بمشاهدة القصر من البحر أو من جولات الميناء الغربى.
لماذا يهمنا القصر اليوم
قليلة هى المبانى التى تختصر قرنا ونصف قرن من تاريخ بلد. فرأس التين يحمل بصمات بداية دولة محمد على الحديثة، وأزمة عزل إسماعيل، وأحداث 1882، ولحظة انتقال مصر من الملكية إلى الجمهورية، ثم استمرار الدولة فى استخدامه وترميمه. ولهذا لا يبدو القصر مجرد مبنى فخم على البحر، بل وثيقة معمارية مفتوحة تذكرنا بأن تاريخ الإسكندرية جزء أصيل من تاريخ مصر كلها، وبأن الحفاظ على هذه المبانى هو حفاظ على ذاكرة مشتركة.
المصادر: en.wikipedia.org · ar.wikipedia.org · en.wikipedia.org · en.wikipedia.org · en.wikipedia.org · en.wikipedia.org · arabcont.com · egyptianstreets.com · www.historytoday.com · www.masrawy.com · en.wikipedia.org · www.youtube.com



