فى صورة غرفة العمليات الشهيرة لحرب أكتوبر، تتجه العيون عادة إلى السادات وأحمد إسماعيل والشاذلى والجمسى. لكن بين الوجوه المصطفة حول الخرائط رجلا لم يكن يظهر كثيرا أمام الكاميرات، وكانت مهمته أن يعرف ما يجرى على الضفة الأخرى من القناة قبل أن يعرفه أحد: اللواء أركان حرب إبراهيم فؤاد نصار، مدير المخابرات الحربية والاستطلاع من 1972 إلى 1975.
لم يكن نصار من أبناء الجهاز حين تسلّم قيادته، وكانت أمامه شهور معدودة ليجهزه لأكبر اختبار فى تاريخه. وفى «ملف أكتوبر» نستعيد سيرة رجل وصفه الكاتب الصحفى شريف عارف بأنه خزانة أسرار متحركة، تعرف متى تتكلم ومتى تترك الكلام للتاريخ.
النشأة والتكوين
وُلد إبراهيم فؤاد نصار فى 8 أكتوبر 1923 بمدينة شبين الكوم فى محافظة المنوفية. وتذكر سيرته المنشورة أنه أنهى المرحلة الابتدائية فى مركز بنى مزار عام 1934، ثم عاد إلى مدينته ليحصل على الثانوية، والتحق بكلية الطب عاما واحدا قبل أن يغير وجهته إلى الكلية الحربية.

تخرج فى الكلية الحربية عام 1944، وتشير سيرته إلى أنه كان بين الخمسة الأوائل على دفعته. وتروى مصادر صحفية أنه رفض فى حفل التخرج أن يقبّل يد الملك فاروق، وأنه شارك لاحقا فى أحداث يوليو 1952. اختار سلاح الإشارة، وعمل مدرسا فى مدرسته، ثم مدرسا فى كلية الأركان.
جاءت أولى محطاته الميدانية فى حرب فلسطين عام 1948، حين تولى رئاسة مجموعة الاتصال بين القيادتين المصرية والأردنية. ومنذ ذلك الحين عاصر جولات الصراع الكبرى كلها: 1948 و1956 و1967 ثم 1973.
من الإشارة إلى «أمن السيطرة»
خبرته فى الاتصالات هى التى فتحت له باب العمل السرى. فبحسب روايته المنشورة فى كتاب «مقاتلون وجواسيس»، تلقى قبل الحرب برقية باللغة الروسية تحذر من أن إسرائيل تتنصت على الاتصالات اللاسلكية والهاتفية المصرية. وفى مطلع 1969 اقترح إنشاء إدارة تحمى سرية الاتصالات العسكرية، فكُلّف بتأسيسها تحت اسم «أمن السيطرة»، وتولى رئاستها حتى 1972.

يحكى نصار أن مصر استوردت أجهزة تشفير ألمانية، واستخدمت أجهزة لفحص الخطوط كشفت أجهزة تنصت إسرائيلية مزروعة على كابلات فى منطقة القناة. ولم تُنزع تلك الأجهزة، بل مُدّت كابلات جديدة بعيدا عنها، وتُركت القديمة تعمل لتنقل إلى العدو ما تريد القيادة المصرية أن يسمعه، فى واحد من أوائل خيوط الخداع التى سبقت الحرب.
تكليف مفاجئ فى نوفمبر 1972
فى نوفمبر 1972 استدعاه وزير الحربية أحمد إسماعيل على وأبلغه باختياره مديرا للمخابرات الحربية. وبحسب ما رواه نصار فى حوار صحفى بمناسبة مرور 25 عاما على النصر، فاجأه التكليف لأنه لم يخدم ضابطا فى الجهاز من قبل، فطلب ثلاثة أشهر لدراسة الموقف قبل أن يقبل المسئولية.

ويروى أن الطلب أغضب الرئيس السادات فى البداية، لكنه قبله بعد أن شرح له نصار أن المسألة مسألة وجود، وأنه لا يريد أن يتسلم الجهاز ثم تقع الهزيمة. وبعد انقضاء المهلة طلب عاما كاملا ليكون الجهاز جاهزا، فمنحه السادات تسعة أشهر فقط، وهى تقريبا المسافة التى فصلت بين ذلك الحديث وظهر السادس من أكتوبر.

«رادارات بشرية» فى سيناء
لخّص نصار مهمته فى أمرين: أن يعرف كل شىء عن العدو، وأن يحرمه من معرفة أى شىء عن مصر. وكانت الصعوبة، كما شرحها، أن وقف إطلاق النار بعد حرب الاستنزاف منع استخدام القوات المسلحة علنا شرق القناة، ولم تكن لدى مصر وسائل استطلاع فنية متقدمة، فكان الرهان على العنصر البشرى العامل فى سرية.
اعتمد الجهاز، وفق روايته، على ثلاثة مصادر. الأول المجموعة «39 قتال» التى قادها الشهيد إبراهيم الرفاعى، وقد عبرت القناة مرات عديدة منذ 1967 وجمعت معلومات عن تحصينات خط بارليف. والثانى ما عُرف بـ«منظمة سيناء»، التى ضمت أبناء سيناء العارفين بدروبها ومتطوعين من المدنيين والعسكريين، تدربوا فى بيوت مخصصة على الشفرة وقراءة الخرائط، وحصل كل منهم على جهاز لاسلكى حتى غطت الشبكة سيناء كلها. والثالث 22 فريقا للاستطلاع، كل منها من ثلاثة أو أربعة أفراد، دخلت سيناء بحرا وجوا بالهليكوبتر وسيرا على الأقدام.
وكان من أهم ما راقبته هذه العيون مخازن الطوارئ الإسرائيلية، المخصصة لتجهيز قوات الاحتياط، لأن أى استعداد إسرائيلى حقيقى للحرب لا بد أن يمر بها. ويقول نصار إن هذه الجهود جعلت أوضاع القوات الإسرائيلية وتحصيناتها فى سيناء أشبه بكتاب مفتوح أمام القيادة المصرية.

وكان يردد أن موشيه ديان، حين سُئل بعد الحرب عن مصدر المعلومات المصرية الدقيقة، أجاب بأن مصر ملأت سيناء برادارات بشرية تفكر وتستنتج. لكن نصار كان يرى أن ديان قال نصف الحقيقة فقط، فالإنجاز الأكبر فى نظره لم يكن جمع المعلومات، بل حجب نية الهجوم وتوقيته عن إسرائيل رغم كل المؤشرات، بفضل خطة الخداع التى شاركت فيها أجهزة الدولة.
ساعات الحسم فى غرفة العمليات
مع بدء المعركة كان نصار فى غرفة العمليات الرئيسية إلى جانب القائد العام وكبار القادة، ووصفته صحف مصرية عند رحيله بأنه آخر من بقى من رجال تلك الغرفة. ويرى، بحسب شهادته، أن القيادة الإسرائيلية عشية الحرب كانت منقسمة بين من يطالب باستدعاء الاحتياط ومن يرى ذلك غير ضرورى، وأن جولدا مائير اكتفت بإعلان حالة التأهب، وهو ارتباك عدّه من أسباب المفاجأة.
ولم يتوقف عمل الجهاز عند الضفة الشرقية. فتذكر المصادر أن رجاله كشفوا خلال الحرب رسائل مكتوبة بالحبر السرى كانت تُرسل إلى الخارج وتحمل معلومات عن تحركات القوات، فجرى تتبع أصحابها والقبض عليهم بعد إبلاغ القيادة العامة. وكان نصار يعيد الفضل أيضا إلى أبناء سيناء، الذين قال إنهم نقلوا معلومات عن الجسر الجوى الأمريكى إلى إسرائيل أثناء القتال.
وتنقل عنه مصادر صحفية رأيه بأن المشير أحمد إسماعيل كان مفتاح النصر، وأن الثغرة كانت فى تقديره مناورة سياسية أكثر منها إخفاقا عسكريا، وهو رأى يخصه ولا يزال موضع نقاش بين المؤرخين. أما ما نشرته صحيفة «ماكور ريشون» الإسرائيلية أواخر 2016، عن معلومات قيل إنها مستمدة من مذكراته حول محاولة لاستهداف ديان خلال الحرب، فبقى رواية صحفية لم تؤكدها جهة مصرية رسمية.
بعد الحرب.. من المحافظات إلى المخابرات العامة
غادر نصار المخابرات الحربية عام 1975، ليبدأ مرحلة فى العمل المدنى، فتولى محافظة البحر الأحمر ثم محافظة سيناء، ثم محافظة مطروح حتى 1981. وتذكر مصادر أن السادات كان يعتمد عليه فى التواصل مع قبائل سيناء فى الحرب والسلم.
وفى 1981 عاد إلى عالم الأسرار رئيسا لجهاز المخابرات العامة، فعاصر الشهور الأخيرة من حكم السادات، وبقى فى المنصب حتى 1983. وحصل خلال مسيرته، التى امتدت نحو أربعين عاما، على أكثر من عشرين وساما ونوطا.
إرث رجل الظل
رحل اللواء فؤاد نصار يوم الجمعة 23 مارس 2018، وشُيّع جثمانه فى اليوم التالى من مسجد آل رشدان بالقاهرة. وقبل رحيله بأشهر صدر عن دار أخبار اليوم كتاب «مقاتلون وجواسيس» لشريف عارف، الذى وثّق محطات حياته بشهادات عدد من القادة العسكريين.
وتبقى من سيرته فكرة كان يكررها: أن الحروب تنتهى مهما طالت، أما حروب المخابرات فلا تعرف نهاية، وتعتمد على البشر قبل السلاح. وربما كانت هذه الفكرة هى سر حكاية أكتوبر كما رآها، حكاية رجال عاديين فى صحراء سيناء صاروا عيونا لمصر، وضابط إشارة جاء إلى الجهاز من خارجه فقاده إلى لحظة العبور.
المصادر: ar.wikipedia.org · akhbarelyom.com · gate.ahram.org.eg · www.aljarida.com · www.masrawy.com · www.vetogate.com · www.elbalad.news · www.albawabhnews.com · www.eremnews.com · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org



