على المسرح كان سمير الإسكندرانى فنانا خفيف الظل، يتنقل بين الأغنية الشعبية والأغنية الوطنية، ويغنى بالعربية والإيطالية والإنجليزية بالسهولة نفسها. لكن الرجل الذى صفق له الجمهور عقودا كان يحمل حكاية أخرى، ظل يرفض روايتها سنوات طويلة، ثم خرج ليحكيها بنفسه: حكاية طالب فى العشرين حاول جهاز مخابرات أجنبى أن يصنع منه جاسوسا، فإذا به يقلب اللعبة على أصحابها.
لقّبته الصحافة المصرية فيما بعد بـ«ثعلب المخابرات»، وهو لقب يختصر المفارقة كلها: فنان يعيش أمام الأضواء، ويؤدى فى الوقت نفسه دورا خلف الستار لا يعرف به إلا عدد قليل من الناس. وحتى حين صار اسمه معروفا فى البيوت المصرية، بقيت هذه الصفحة من حياته مطوية، لا يعرف تفاصيلها إلا من شاركوه فيها.
النشأة فى قلب القاهرة القديمة
وُلد سمير الإسكندرانى فى 8 فبراير 1938 بحى الغورية، أحد أعرق أحياء القاهرة الفاطمية، حيث تتجاور الأسواق القديمة مع مساجد العصر المملوكى. كان والده تاجرا للأثاث، لكنه كان قبل ذلك عاشقا للفن والأدب، وتذكر سيرته المنشورة أن بيت الأسرة عرف صداقات مع أسماء كبيرة مثل الملحن زكريا أحمد والشاعرين بيرم التونسى وأحمد رامى.

فى هذا الجو نشأ الفتى محبا للرسم والموسيقى معا. التحق بكلية الفنون الجميلة، وهناك بدأ يتعلم اللغة الإيطالية، وحين توقف تدريسها فى الكلية واصل تعلمها فى مدرسة للغات. ويبدو أن شغفه بها لفت الانتباه، إذ تشير المصادر إلى أن المستشار الثقافى الإيطالى فى القاهرة رشحه لمنحة دراسية فى إيطاليا.

الطريق إلى بيروجيا
فى عام 1958، وهو فى العشرين من عمره، سافر الإسكندرانى إلى مدينة بيروجيا الإيطالية، المدينة الجامعية الشهيرة بجامعتها المخصصة لتعليم الأجانب. هناك جمع بين دراسة الرسم والموسيقى، وكان يغنى فى فناء الجامعة وسط زملائه من جنسيات مختلفة، وتصفه المصادر بأنه كان يتحدث عدة لغات، وهى ميزة جعلته قريبا من زملائه، لكنها جعلته أيضا، كما سيتضح، هدفا مغريا لمن يبحثون عن شاب مصرى متحرر الطباع قادر على التحرك بسهولة بين الثقافات.
وبحسب روايته التى نقلتها الصحف المصرية، اقترب منه هناك شاب قدّم نفسه باسم «سليم»، وقال إنه مصرى من أصول يهودية. توطدت العلاقة بينهما تدريجيا، ثم عرّفه سليم على رجل قدّم نفسه بوصفه رجل أعمال ألمانيًا يُدعى «جوناثان شميت». كانت الأسئلة فى البداية عامة عن الحياة فى مصر، ثم أخذت تتجه إلى السياسة وإلى رأيه فى نظام الحكم.

لعبة التجنيد
أدرك الشاب، كما حكى لاحقا، أن الرجلين يبحثان عن مصرى ساخط على بلده، فقرر أن يجاريهما ويُظهر لهما ما يريدان سماعه. وجاءت بعد ذلك العروض المالية، ثم التدريب: الكتابة بالحبر السرى، والتعامل مع الشفرات ووسائل الاتصال، وأساليب التخفى. ولم يكن هؤلاء، وفق الرواية المصرية، سوى عناصر تعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية.

الطلب الأهم كان أن يعود إلى القاهرة ويجمع المعلومات من داخلها مقابل راتب مغر. وافق الإسكندرانى ظاهريا، لكنه كان قد حسم أمره: سيحمل كل ما رآه وسمعه إلى بلده فور وصوله.
العودة إلى القاهرة والحياة المزدوجة
بعد عودته، سعى بحسب روايته إلى مقابلة الرئيس جمال عبد الناصر مباشرة، فوُجّه إلى جهاز المخابرات العامة الذى استمع إلى قصته وتحقق منها. وتتفق المصادر المصرية على أنه التقى عبد الناصر بعد ذلك، وأن القرار استقر على أن يواصل اللعبة كعميل مزدوج، يتظاهر بالعمل لصالح الطرف الإسرائيلى بينما يتحرك تحت إشراف المخابرات المصرية، التى كان يقودها آنذاك صلاح نصر.

عاش الإسكندرانى فى تلك المرحلة حياتين متوازيتين: شاب يشق طريقه فى الوسط الفنى، وعميل يكتب رسائل مشفرة إلى من يظنون أنهم جنّدوه، بينما يحدد ضباط المخابرات المصرية مضمون ما يُرسل وما يُحجب.
ولم تكن تلك الحقبة عادية؛ فقد شهدت أواخر الخمسينيات ومطلع الستينيات حرب ظلال مكتومة بين أجهزة المخابرات فى المنطقة، تعددت خلالها محاولات زرع العملاء داخل مصر وتجنيد مصريين فى الخارج، خاصة من الطلاب والمسافرين. وفى هذا السياق كان جهاز المخابرات العامة المصرى، الذى تولى صلاح نصر رئاسته بين عامى 1957 و1967، يسعى إلى تحويل محاولات الاختراق نفسها إلى أدوات لكشف من يقف وراءها، وهو بالضبط الدور الذى أُوكل إلى الشاب العائد من إيطاليا.
الضربة الكبرى
تذكر المصادر المنشورة أن المخابرات المصرية تمكنت، بعد ما يزيد على عام ونصف من متابعة هذه القناة، من رصد نقطة الاتصال بالإسكندرانى، وصولا إلى جاسوس يحمل الجنسية الهولندية تورد المصادر العربية اسمه «موسى جود سوارد». وانتهت العملية بالقبض عليه وكشف أفراد شبكة تجسس كانت تعمل داخل مصر.

وبحسب روايته أيضا، أتاحت له هذه القناة الاطلاع على مخططات خطيرة، منها محاولة لاغتيال المشير عبد الحكيم عامر وخطة لدس سم بطىء للرئيس عبد الناصر. وتتداول بعض الكتابات أرقاما مختلفة عن عدد الشبكات التى أسهم فى كشفها، لكنها لا تتفق على رقم واحد، ولا تسندها وثائق رسمية منشورة.
الصمت ثم البوح
بعد انتهاء المهمة عاد الإسكندرانى إلى الفن بكامل طاقته. قدّم عشرات الأغانى، من بينها «مين اللى قال» و«طالعة من بيت أبوها» و«يا رب بلدى وحبايبى» و«قدك المياس» و«يا نخلتين فى العلالى»، وغنّى لمصر فى «ابن مصر» و«فى حب مصر»، كما غنّى بلغات أجنبية، وشارك بصوته فى أغانى مسلسلات تلفزيونية مثل «الطاحونة» و«ملحمة الحب والرحيل» فى الثمانينيات. وظل إلى جانب ذلك رساما يعود إلى ألوانه كلما سنحت الفرصة.
اللافت أنه لم يتعجل رواية قصته. تذكر سيرته المنشورة أن كتّابا كبارا، منهم أنيس منصور وكمال الملاخ، طلبوا منه أن يسرد تفاصيلها للنشر، فاعتذر وبقى متحفظا مدة طويلة، قبل أن يقرر فى سنوات لاحقة الحديث عنها فى برامج تلفزيونية ومقابلات صحفية، معتبرا إياها أهم ما قدمه لبلده.
رحل سمير الإسكندرانى فى 13 أغسطس 2020 عن 82 عاما بعد صراع مع المرض، ونعاه زملاؤه من الفنانين بوصفه فنانا ووطنيا فى آن واحد.

بين الحقيقة والدراما
الثابت فى القصة، بشهادة مصادر متعددة، أن الإسكندرانى وُلد فى الغورية عام 1938، وسافر إلى بيروجيا عام 1958 للدراسة، وأنه رُوى عنه علنا وعلى مدى سنوات أنه أبلغ المخابرات المصرية بمحاولة تجنيده وعمل عميلا مزدوجا، وأن وسائل إعلام مصرية رئيسية تبنت هذه الرواية واحتفت به بسببها.
أما التفاصيل الدقيقة، من أسماء من التقاهم فى إيطاليا إلى طبيعة المخططات التى اطلع عليها وحجم ما أسهم فى كشفه، فمصدرها الأساسى أحاديثه هو فى الإعلام وما نقلته الصحف عنه، ولم نعثر على وثائق رسمية منشورة تفصّلها أو تؤرخها بدقة. وعلى عكس قصص أخرى من ملفات المخابرات المصرية، لم تتحول حكايته إلى عمل درامى شهير، فبقيت حكاية يرويها صاحبها بصوته، كما كان يروى أغانيه.
ختام: صوته كما عرفه الناس
أغنية «Take Me Back to Cairo» بصوت سمير الإسكندرانى (فيديو منشور على يوتيوب)
المصادر: ar.wikipedia.org · al-ain.com · www.soutalomma.com · www.egypttelegraph.com · diwanalarab.com · gulfnews.com · www.youm7.com · en.wikipedia.org · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org · commons.wikimedia.org



