الجمعة، 30 أكتوبر 2026 18 جمادى الأولى 1448 هـ | 21 بابة 1743 ش | السنة المصرية 6267
القاهرة، 16°م دولار 56.04 | يورو 62.55
عاجل
إحدى أنشطة المجلس الوطني للتنمية والتدريب
أخبار · رأي · تحليل
"الإيمان ليس مجرد عقيدة، بل هو أسلوب حياة."
— مصطفى محمود
رئيس مجلس الإدارة
رفيق سامي
المدير التنفيذي للموقع
وجيه نزيه
ملف أكتوبر

عبد الرحيم قرمان.. ابن حيفا الذى صار «عابد كرمان» فى خدمة المخابرات المصرية

أكتوبر 6, 2026

فى رمضان 2011 تابع ملايين المشاهدين العرب حكاية «عابد كرمان»، الرجل الذى يعيش بوجهين ويحمل أسرار المخابرات المصرية فى قلب مجتمع معاد. لكن قلة منهم كانت تعرف أن صاحب القصة الحقيقى رحل قبل عرض الحلقة الأولى بأشهر قليلة، فى بيته بقرية إبطن القريبة من حيفا، بعد عمر طويل تنقل فيه بين السجن والمنفى والعودة.

اسمه الحقيقى عبد الرحيم عبد الرؤوف قرمان، فلسطينى من حيفا عمل لحساب المخابرات العامة المصرية أواخر الستينيات. قصته أقل توثيقا من قصص رفاق المهنة المشهورين، وما يُروى عنه يتراوح بين وقائع تتفق عليها المصادر وحكايات بطولية لم يثبتها دليل مستقل. فى السطور التالية نحاول أن نفصل بين هذا وذاك، مع الاحتفاظ بما يستحقه الرجل من تقدير لدوره.

النشأة فى حيفا

وُلد عبد الرحيم قرمان عام 1938 فى حيفا، لعائلة تجار ميسورة تعود أصولها إلى نابلس، وكانت تملك أراضى فى الجليل الغربى وعلى سفوح الكرمل وفق ما تذكره المصادر العربية. أبوه الحاج عبد الرؤوف قرمان، وله إخوة وأخوات عدة، بينهم الكاتبة سعاد قرمان والفنانة بشرى قرمان.

حيفا وخليجها كما بدت من جبل الكرمل نحو عام 1960، المدينة التى وُلد فيها عبد الرحيم قرمان (صورة أرشيفية)
حيفا وخليجها كما بدت من جبل الكرمل نحو عام 1960، المدينة التى وُلد فيها عبد الرحيم قرمان (صورة أرشيفية) (الصورة: أندرياس رامر / ويكيميديا كومنز (ملكية عامة))

بقيت العائلة فى أرضها بعد عام 1948، فنشأ عبد الرحيم مواطنا عربيا يحمل الجنسية الإسرائيلية، وهو تفصيل سيصبح لاحقا مفتاح قيمته الاستخبارية؛ فالرجل يتحرك فى حيفا وموانئها وطرقها بشكل طبيعى، ويعرف لغة المكان وناسه.

أنهى دراسته الثانوية فى حيفا، ثم اشتغل بالتجارة كأغلب أبناء عائلته. وفى أواخر الخمسينيات سافر إلى أوروبا، وهناك تزوج من فرنسية تسميها أغلب المصادر «مونيك»، وتذكر أنها اعتنقت الإسلام، بينما تمنحها روايات صحفية متأخرة اسما آخر هو «جاكلين».

باريس من أعلى قوس النصر نحو عام 1965؛ ففى فرنسا جرى تعريف قرمان بضابط المخابرات المصرية (صورة أرشيفية)
باريس من أعلى قوس النصر نحو عام 1965؛ ففى فرنسا جرى تعريف قرمان بضابط المخابرات المصرية (صورة أرشيفية) (الصورة: HZ / ويكيميديا كومنز (ملكية عامة))

الطريق إلى المخابرات المصرية

تتفق المصادر على أن نقطة التحول جاءت قرب عام 1967، حين سافر قرمان مع زوجته إلى فرنسا. هناك جرى تعريفه بضابط فى المخابرات المصرية، فوافق على العمل لحساب القاهرة، وخضع لتدريب على أساليب العمل السرى فى أوروبا، وتذكر أكثر من رواية العاصمة البلجيكية بروكسل مكانا لهذا التدريب.

لم تكن الصفقة سهلة على رجل يعيش مع أسرته داخل إسرائيل؛ فأى خطأ يعنى سنوات طويلة خلف القضبان. ومع ذلك عاد إلى حيفا ليبدأ مهمته، مستفيدا من غطاء التاجر الذى يسافر ويلتقى الناس دون أن يثير الشبهات.

مهام فى الميناء وعلى الطرق

تعدد المصادر المتاحة جملة من التكليفات التى حملها قرمان، أبرزها تصوير قطع البحرية الإسرائيلية الراسية فى ميناء حيفا، وجمع معلومات عن صواريخ «جبرائيل» البحرية التى كانت آنذاك من الأسلحة الجديدة، ومعاينة الطريق الساحلى بين حيفا وعكا لمعرفة ما إذا كان يصلح مدرجا للطائرات فى حالات الطوارئ.

كما كان مطلوبا منه أن ينسج علاقات مع أشخاص كثيرى السفر، وبخاصة من العاملين فى سلاح الجو، بهدف التقاط ما يمكن من معلومات عن الاستعدادات العسكرية فى الفترة الحرجة التى أعقبت حرب 1967، حين كانت مصر تعيد بناء قواتها وتخوض حرب الاستنزاف.

وفى ربيع عام 1969 خطا قرمان خطوة أوسع، إذ نجح فى ضم شاب من حيفا يعمل موظفا فى جمارك الميناء هو توفيق فياض، الذى صار فيما بعد روائيا معروفا. كان وجود رجل داخل الجمارك يعنى عينا ثابتة على حركة السفن، وهو ما تؤكده سيرة فياض نفسه، إذ أُدين لاحقا بالتخابر مع مصر وبإدخال معدات رصد عبر عمله فى الميناء.

السقوط

لكن هذه الخطوة كانت، على الأرجح، بداية النهاية. فبحسب ويكيبيديا العربية ومصادر أخرى، أُلقى القبض على قرمان وفياض وآخرين فى 13 يناير 1970، ويُرجع بعضها السقوط إلى تساهل فى قواعد الأمان وتجنيد شخص لم تُختبر موثوقيته بما يكفى. وتضيف روايات صحفية أن القبض عليه تم فى مطار اللد وهو يحمل جوازا مزورا، لكن هذا التفصيل لا يرد فى المصادر الأكثر رصانة.

أحد شوارع القاهرة فى مارس 1965، المدينة التى عمل قرمان لحسابها ثم استقر فيها بعد الإفراج عنه (صورة أرشيفية)
أحد شوارع القاهرة فى مارس 1965، المدينة التى عمل قرمان لحسابها ثم استقر فيها بعد الإفراج عنه (صورة أرشيفية) (الصورة: دون كريستى / ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 4.0))

مَثُل قرمان أمام المحكمة، فحُكم عليه بالسجن 12 عاما، ثم رفعت المحكمة العليا الحكم بعد الاستئناف إلى 16 عاما. أما فياض فنال حكما أخف تختلف المصادر فى مدته بين ثمانى وعشر سنوات.

قرية إبطن شرقى حيفا عام 2010، حيث عاد قرمان وأمضى سنواته الأخيرة
قرية إبطن شرقى حيفا عام 2010، حيث عاد قرمان وأمضى سنواته الأخيرة (الصورة: Ravit / ويكيميديا كومنز (ملكية عامة))

وتقول الروايات العربية إنه تحمل التحقيق دون أن يكشف ما لديه، وهو أمر يصعب التحقق منه، لكن المؤكد أن السنوات الأربع التالية قضاها سجينا، بعيدا عن أسرته وعن القاهرة التى عمل من أجلها.

الحرية عبر صفقة التبادل

جاء الفرج بعد حرب أكتوبر 1973. ففى المفاوضات التى تلت الحرب طلبت إسرائيل الإفراج عن باروخ مزراحى، وهو عميل إسرائيلى قُبض عليه فى اليمن ثم نُقل إلى مصر، وأبدت القاهرة استعدادا لذلك مقابل إطلاق مصريين محتجزين لدى إسرائيل، كما تكشف وثائق الخارجية الأمريكية المنشورة. وفى عام 1974 تمت الصفقة، وكان قرمان وفياض من بين من أُطلق سراحهم.

خرج قرمان بعد نحو أربع سنوات فقط من حكم مدته 16 عاما، وتوجه إلى مصر حيث عمل فى التجارة. وتذكر سيرته أنه انتقل بعد ذلك إلى أبوظبى وأقام فيها قرابة عشر سنوات، ثم عاش فترة فى فرنسا.

ظل حلم العودة إلى البيت قائما، وتعثرت طلباته أكثر من مرة، إلى أن تمكن من الاستقرار مجددا فى قريته إبطن شرقى حيفا نحو عام 2000. وهناك أمضى سنواته الأخيرة، إلى أن توفى بعد مرض فى 28 مارس 2011، عن ثلاثة وسبعين عاما تقريبا.

بين الحقيقة والدراما

بعد وفاته بأشهر عُرض مسلسل «عابد كرمان» عن قصة للكاتب ماهر عبد الحميد، وسيناريو بشير الديك، وإخراج نادر جلال، وبطولة الفنان تيم حسن. استلهم العمل الخطوط العريضة للحكاية لكنه بنى عليها كثيرا من الأحداث المتخيلة، وغير تفاصيل جوهرية فى نشأة البطل وأسرته، ووجه إليه كتاب فلسطينيون، منهم رشاد أبو شاور، نقدا لأنه لم يُبرز هويته الفلسطينية بوضوح.

أما الموثق بأكثر من مصدر فهو: مولده فى حيفا عام 1938، وتجنيده عن طريق المخابرات المصرية فى أوروبا أواخر الستينيات، وتكليفه برصد الميناء والبحرية، وضمه موظف الجمارك توفيق فياض عام 1969، والقبض عليهما مطلع 1970، والحكم عليه بالسجن 16 عاما، ثم الإفراج عنه فى صفقة تبادل عام 1974، وعودته إلى إبطن ووفاته فيها عام 2011.

فى المقابل، تتداول الصحافة العربية روايات أكبر عن نقله خرائط خط بارليف إلى القاهرة، وعن صداقة شخصية جمعته بوزير الدفاع الإسرائيلى موشيه ديان وعدد من الوزراء، وهى روايات يبدو أن أصلها كتاب ماهر عبد الحميد «كنت صديقا لديان» المبنى على شهادة قرمان نفسه. هذه الإنجازات تبقى، بحسب روايته، دون توثيق مستقل حتى الآن، ولا ينقص ذلك من قيمة ما ثبت من خدمته لمصر فى سنوات صعبة دفع ثمنها من حريته.

من ملف أكتوبر: جميع المعلومات فى هذا المقال مصاغة بأسلوبنا من مصادر منشورة، وما جاء على لسان أصحاب القصص أو فى الأعمال الدرامية نُسب لأصحابه.
المصادر: ar.wikipedia.org · www.alraimedia.com · www.sarayanews.com · www.alwatanvoice.com · kataranovels.com · history.state.gov · www.arab48.com
شارك الخبر: فيسبوك واتساب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top